أم الفضل
قد يبدو مستنكرا أن نجد بعض الأخوات ينسبن ما يُحقق من نجاح في أي مجال في حياتهن إلى ما تفعله وما تبذله هي، ودائما تردد أنها قد أخذت بكل الأسباب واتبعت الأساليب المؤدية إلى ذلك، حتى إن بعضهن قد يتجاوزن الحد ويُنسيهن الشيطان ذكر فضل الله عليهن، فيزداد الغرور بالنفس والتعاظم بالقدرات والملكات، وعلى الجانب الآخر نرى أخريات يتهمن أنفسهن دائما بالتقصير عند حدوث أي فشل أو إخفاق حتى وان كنَّ قد بذلنَّ كل ما في الوُسع لتحقيق الغاية المنشودة والهدف المرجو من الأعمال اللاتي يقمنَّ بها، وحتى عند تحقيق أي نجاح لا ترى لجهدها أي فضل بل إذا ادعاه شخص غيرها لنفسه تنزوي مكتوفة الحجج صامتة مهزومة، فغالبا ما تكون الواحدة منهن ضعيفة الثقة بالنفس قد اعتادت على أن تُبخس مواهبها، وتقلل من قدراتها الذاتية فأصبحت تنزلق من إحباط الى آخر ولا تستطيع تخطي العقبات.
أيتها الاخت المسلمة إن خالقنا العظيم أرسى لنا القواعد السليمة في التعامل مع الأحداث ومجريات الحياة، وأنزل لنا قرآنا يهدي للتي هي أقوم، ومنَّ علينا بالقدوة والأسوة الحسنة في رسولنا الهادي صلى الله عليه وسلم، فأمرنا ألا نكون مفرطين ولا متطرفين قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}. البقرة: 143.
لذلك علينا أن نتعلم الآتي:
أولا: كيف تكون نظرتنا إلى أنفسنا فلنحذر من الكبر والغرور ولنحذر أيضا من بخس الحقوق.
ثانيا :ألا ننصت لعبارات المدح خاصة المبالغ فيها، وأيضا لا نعيير الانتباه لمن يحاول التسفيه من الجهد والتقليل من الإنجازات، وليكن ميزان الحق هو معيار تقدير الأمور والوازع لبث الثقة بالنفس.
ثالثا: ملؤ القلب باليقين بأن التوفيق من الله قال تعالى: {وما توفيقي إلا بالله} هود:88، وأنه سبحانه بيده تيسير الأمور، فلنسأله دائما أن ييسرنا لليسرى، فلا سهل إلا ما جعله الله سهلا.
رابعا: مشاركة الآخرين والحرص على أن نجعل من حولنا يشعرون بأنهم من أسباب نجاحنا وأن التعاون بيننا هو ما يثمر الفوز والفلاح، مع الأخذ في الاعتبار أن التواضع الحق لا يكون إلا لله فهو القادر على أن يرفع من تواضع له، فلا نسمح لأحد أن يسلبنا نجاحنا وينسبه إلى نفسه، ولنحذر من الأشخاص الذين لا يتورعون عن التشبع بما لم يُعطوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ولا يجيدون إلا السخرية والاستهزاء ممن يحرز تفوق، ولا يألون جهدا للتقليل من سعيهم خاصة بعد انتزاع ثمرة جهدهم.
خامسا: أن نجعل في بؤرة التفكير أن الله يريد لنا الاعتزاز والفخر باتباع الطريق المستقيم وتعظيم أوامره وشريعته قال تعالى {ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} وهو سبحانه الذي أمرنا بالخضوع والتذلل له فقال عزوجل { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً}. فاطر: 10.
فعلينا أيتها الأخت الفاضلة بذل الجهد الصادق في تربية أبنائنا حتى يشبوا على العزة بدينهم ويأنفوا من الاستكبار وحب التميز على غيرهم بمتاع الدنيا وزخارفها، وإياكِ من معاملتهم بالمهانة والحط من قدرهم، وليكن تقدير ما يؤدونه ويقومون بعمله على الميزان القسط لا فيه إفراط ولا تفريط فيتعلمون متى يستطيعون إبداء آرائهم بشجاعة مغلفة بالأدب والخلق الحسن، وألا يمنعهم الحياء عن قول الصواب والحق.
ونذكر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من المواقف ما يتضح به هذا الهدي:
ـ ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من الشجر شجرة لا يسقط أوراقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟" فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة قال فذكرت ذلك لعمر، قال لئن قلت هي النخلة أحب إليَّ من كذا وكذا.
ـ موقف الأنصار من توزيع غنائم حنين وما وجدوه في أنفسهم ولكن عندما عاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلا:"ما مقالة بلغتني عنكم وَجِدَةُ وجدتموها عليَّ في أنفسكم"... ثم قال:"ألم آتكم ضلالا فهداكم الله تعالى، وعالة فأغناكم الله، وأعداءا فألف بين قلوبكم" فقالوا: لله ولرسوله المنَّ والفضل.
وكان النبي مشفقا عليهم فقال :ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنَّ والفضل قال:"أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتكم ولصُدُقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك".
فقال صلى الله عليه في رقة شديدة "أوجدتم في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتم إلى أسلامكم؟ ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟" فبكى القوم حتى اخضلتم لحاهم، وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظا. أخرجه البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده
طوبى لمن عرف قدر نفسه
- التفاصيل