وائل بن إبراهيم بركات
يعيش الإنسان في هذه الدنيا في صراع، وابتلاء ومعاناة بين الحق والباطل، والإنسان المسلم الذي عرف الإسلام على أنه "استسلام لله، وخضوع لله، وانقياد لله، عليه أن يفهم ويعي حقيقة وأهمية دوره في الصراع، فلا يقف سلبيا مكتوف الأيدي، بل يجاهد ويثبت ويصبر حتى يأتيه اليقين. لا يقف سلبيا حائرا تائها ضائعا، فالإنسان المسلم إنسان إيجابي له هدف وله غاية. لا يقف سلبيا يجاهد نفسه، وهواه، وشيطانه.
يجاهد مستسلما لله سبحانه، ولا يدمر نفسه بيده، فتصبح الشبهات حلالا، لا غبار عليها، وتصبح المعاصي أمورا عادية ليس فيها ذلك الذنب الكبير. ويستوي لديه الحق والباطل، والخير والشر، فلا يفرق بينهما، فكلاهما سواء لديه. مستهينا بالمعاصي صغيرها وكبيرها.
إن تقبل المعصية والخطأ والذنب على أنه شيء طبيعي، أمر شديد الخطورة على الإنسان الفرد وعلى المجتمع. فبهذا التقبل ندمر أنفسنا بأيدينا.
إن الطعام إذا فسد وأصابه العفن، فإن النفس تعافه ولا تتقبله، لأنه لم يعد طعاما، وإنما مرضا، وترميه بعيدا في سلة المهملات، ليذهب بعيدا إلى تجمع النفايات.
نظرة واحدة إلى الإعلام وما يعرض فيه، لنجد أنه اشد عفونة من الطعام الفاسد، ومع ذلك نتقبله، ونتلذذ بالمشاهدة والتفرج، وليس هذا وحسب، بل وندعمه.. ندعم بالرسائل النصية والإعلانات والتصويتات لإعلام يدمر حياتنا، ويهتك أعراضنا، ويغسل دماغنا، ويشتت أهدافنا.
كيف يقبل الإنسان أن يتناول السم بيده؟ لا يقبل إلا إذا كان غير سوي مرفوعا عنه القلم.
لا يمكن لإنسان أن ينكر خطر ما يعرض في الإعلام والفضائيات من المسلسلات والأفلام والأغاني والبرامج الهابطة. حتى أصحابها يعترفون بأن هذه البرامج خطيرة على الإنسان السوي، الإنسان الذي يعرف ربه، الإنسان الذي يبحث عن الأمن والأمان والسعادة الحقيقية.
لا يمكن نكران خطر هذه البرامج، ومع ذلك بأيدينا نمسك الريموت، لا نبحث عن غذاء العقل والروح وراحة الجسد، بل عن غذاء فاسد للعقل والروح والجسد.. نقلب بين الفضائيات لنفسد أخلاقنا، وندمر بيوتنا، وننغص حياتنا.
لا يمكن لأحد أن ينكر خطر التدخين، ومع ذلك أصبح مقبولا بين الشباب والشابات، والرجال والنساء، مقبولا جدا ولا حرج من التدخين.
لا يمكن لأحد أن ينكر خطر الأفلام الكارتون على الأطفال، حتى الغرب نفسه يحذر منها بدراسات ودراسات، ونحن نستورد وندبلج أفلاما للكارتون، لا تمد لنا بأي صلة، سوى أنها غذاء مسموم لعقول وحياة أطفالنا، ومع ذلك ندعهم يتناولونه. فقد أصبح مقبولا مشاهدة الأفلام الكارتون مهما كان نوعها.
لا يمكن لأحد أن ينكر خطر التقليد الأعمى للغرب عيد الحب، عيد الأم، حفلات الطلاق، وغيرها، ومع ذلك نسابقهم في هذه الأعياد الموهومة، والحفلات السرابية.
لا يمكن نكران أن أبناء الإسلام يهدمون الفرد والمجتمع بأيديهم، ويضربونه من الداخل، بينما أعداء الخارج يفركون أيديهم فرحا بالانتصار علينا.
لا يمكن نكران أن الإنسان المسلم أصبح مستسلما لنفسه وهواه وشيطانه، فانهزم نفسيا أمام أعداء الخارج. يعيش ذليلا يلهث وراء سرابهم.
إن تدمير الإنسان المسلم نفسه بيده هو عبودية لغير الله، فالمسلم يدمر نفسه عندما يكون عبدا لشهواته، وأهوائه، ورغباته، وماله. وبالتالي هو انتحار للإنسانية، والحضارة، والأخلاق.
لقد دمر الإنسان المسلم نفسه بيده عندما ملئ قلبه بالباطل، واشتغلت جوارحه بالمعاصي. ولهذا استلذ بما يمرضه ويقتله فكريا وجسديا ونفسيا. وما أجمل ما قال العالم الرباني ابن القيم في كتابه الفوائد:
قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها. فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به، لا يمكن شغله بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره. ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته، فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع، لم يبق فيها موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه.
وسر ذلك: أن صفاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه. كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته. فإذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان. ولهذا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يَرِيَهُ خير له من أن يملأ شعراً" فبين أن الجوف يمتلئ بالشعر، فكذلك يمتلئ بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفع، والمفاكهات والمضحكات والحكايات، ونحوها، وإذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته، فلم تجد فيه فراغاً لها ولا قبولاً فتعدته وجاوزته إلى محل سواه.
كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه، فإنه لا يقبلها ولا تلج فيه، لكن تمر مجتازة لا مستوطنة، ولذلك قيل:
نزه فؤادك من سوانا تلقنا ** فجنابنا حل لكل منزه
والصبر طلسم لكنز وصالنا ** من حل ذا الطلسم فاز بكنزه.
بأيدينا ندمر أنفسنا
- التفاصيل