أم الفضل
لِكل بُنيان عمود يُؤسس عليه، ولايبقى هذا البنيان شامخا إلا إذا  كان العمود سليما قويا ثابتا، فما صلح الكون إلا بالتوحيد، ولا يصلح الدين إلا بإقامة الصلاة، ولا تصلح الأعمال إلا بالإخلاص، ولا تصلح المجتمعات إلا بمكارم الأخلاق، ولا تبقى الأمم إلا بالعدل.
ولا يصلح حال الانسان وحياته إلابصلاح قلبه، قال صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". متفق عليه. ولا ينصلح القلب إلا بغمره وملئه بالرحمة والعفو والغفران.

أيتها الأخت الفاضلة..
هل تعلمين أن باب السعادة في الدارين هو قلبك الذي بين جنبيكِ.. فتحرصين كل الحرص أن يكون سليما متعلقا بخالقه؟.
هل تحرصين مساءا وصباحا على طلب الرحمة من الرحمن.. فتَرحمين وتُرحمين وتكونين رحيمة بكل ما يحيط بك؟
هل تستطيعين أن تنسي إساءة المُسيئ؟
هل تعلمين أن نسيان الإساءة راحة لقلبكِ وأن القلب السليم هو الذي لا يحمل لأحد ضغينة؟

أراكِ أيتها الفاضلة ودودة رحيمة لمن بينك وبينهم مودة، ومن يعاملك بالإحسان ويقابلكِ بالترحاب والبشاشة فتُجازيه بالإحسان إحسانا.
ولكن ماذا عمّن أخطأ في حقكِ أوجفاكِ أو قطع أواصر القرابة والرحم بينه وبينكِ، هل أبصَرتِ تلك النقطة المظلمة في القلب التي نضع فيها كل من أساءوا إلينا وتنَاسوا ما قد نكون  قدمناه اليهم من معروف؟

هلمِي أيتها المسلمة إلى تلك البقعة المظلمة فأزيليها وامحيها بنسيان الإساءة وسارعِي براحة قلبكِ، وتعهديه بالتطهير من الضغائن والكراهية والأحقاد واحذري من تسرب بوادر الغضب لغير ما يغضب الرب العليم ولا تستمعي لوساوس النفس الأمارة بالسوء التي تُحرض على الإنتقام مُدعية أن ذلك من حقها بل عليكِ مداوة ما قد يعتري القلب من أمراض بالدواء الرباني. "العفو والإحسان".

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتذكر بعض الإشارات التي تنير طريق المسامحة والحياة الطيبة:
1ـ دعوة الخالق العفو القائل سبحانه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. وتذكري كيف سارع الصديق رضوان الله عليه بالعفو والصفح والإحسان لمن أساء إليه في حادثة الإفك تلبية لنداء الله والطمع فيما عنده.

2ـ المسارعة إلى مغفرة الرب والجنة التي عرضها السموات والأرض التي جعلها سبحانه للذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس فهو عز وجل يحب المحسنين.
3ـ التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو الذي اجتمع عليه قومه ليقتلوه وآذوه وأخرجوه وطاردوه وكالوا له ولأصحابه صنوف العذاب، فما كان منه صلى الله عليه وسلم حين أظهره الله ودخل مكة فاتحا منتصرا إلا أن استجاب لأمر الله {فاعف عنهم واصفح}. المائدة:13. فقال "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

4ـ شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة بأنه من أهل الجنة وما كان ذلك إلا لأنه لا يبيت وفي صدره شيء على أحد ويا لها من مزية تحلّى بها.
5ـ هدي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في بيان كيفية صلة الرحم وأن واصلها هو الذي يصل من قطعه.

أيتها الأخت الفاضلة إن لنسيان الإساءة والعفو عن المسيء ثمرة أول من يجنيها الذي يعفو ويصفح فيرتاح قلبه وتطمئن سريرته ويقترب من دائرة الإحسان وينال ما وعد به ربه ثم تَعُم تلك الثمرة على الأمة الإسلامية والبشرية جميعها.
قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}

JoomShaper