الشيخ. علي بن مختار بن محمد بن محفوظ
يتحمس بعض شباب المسلمين في بداية استقامتهم فيجتهدون في القيام بعبادات ونوافل كثيرة، كصيام التطوع باستمرار، أو قيام الليل كله، أو قراءة القرآن كله في ثلاثة أيام، ويكلفون أنفسهم بتكاليف قد لا يطيقون الاستمرار عليها مستقبلا، ويتمنى أن يتعلم الاعتدال والتوازن في حياته، ولا يشدد على نفسه في شبابه ويلزمها طاعات كثيرة لا يقوى عليها بعد كبره.
وهذا ما حصل مع الصحابي الجليل في شبابه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وأرشده الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الاعتدال والتوازن، وكان يقول: "إني أُطيقُ أكثرَ من ذلك. وقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإنَّ لزوجِك عليك حقًّا. ولزوْرِك عليك حقًّا. ولجسدِك عليك حقًّا. قال: فشدَّدْتُ. فشُدِّدَ عليَّ. قال: وقال لي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إنك لا تدري لعلك يطولُ بك عُمرٌ". قال: "فصرتُ إلى الذي قال لي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلما كبرتُ وددتُ أني كنتُ قبلتُ رُخصةَ نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" رواه مسلم.
ونتعلم من هذا الحديث الاعتدال والتوازن في أمور حياتنا، خصوصا الشباب المتحمس، فـالتوازن في حياة المسلم بأن تتكون شخصية الإنسان المسلم تكوناً معتدلاً سليماً، بحيث لا يطغى فيها جانب على حساب جانب آخر، ولا يغفل فيها جانب بسبب الاهتمام الزائد بجوانب أخرى غيره، هذا هو التوازن في حياة وشخصية الفرد المسلم.

التوازن بين مطالب الحياة:
عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: آخى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بين سلمان الفارسي وأبي الدرداءـ رضي الله عنهما ـ، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس به حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نَم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فأتى النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فذكر ذلك له، فقال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "صدق سلمان" (رواه البخاري).

فقد تعلم سلمان رضي الله عنه  في مدرسة النبوة التوازن والاعتدال بين طلبات الروح والجسد؛ حتى لا يقع المسلم في الظلم لزوجته، أو لنفسه، أو لزوره، و حتى لا يقع المسلم في هذا الأمر، فعليه أن يتدرب على التوازن بين الواجبات، ويتعود على الاعتدال بين مطالب الحياة، كما أرشدت السنة النبوية في الحادثتين السابقتين.
وقد وضع لنا القرآن الكريم منهجا متوازنا لنسير عليه، وضرب لنا مثالا واضحا نقتدي به، فهذا قارون الذي أسرف في التوكل على المال ونسب الفضل في جمعه لنفسه، "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ، فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ" سورة القصص78 ـ 80.

فجاء منهج التوسط والاعتدال في آية جامعة في كتاب الله تعالى، وذلك بعد أن قص الله تعالى علينا بداية قصة قارون قال تعالى: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " سورة القصص.

فهذا هو المنهج الذي يجب أن نسير عليه، وهو يجمع بين مطالب الحياة، وبين عدم نسيان واجبات التكليف أو إهمال الاستعداد للآخرة، فالجمع بين إرضاء الله تعالى، وعدم نسيان النصيب الدنيوي، منهج رباني: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"سورة القصص 77.

وجاء الأمر بالتوسط والاعتدال والتوازن في الأكل والشرب أيضا في كتاب الله تعالى، وقد اتضح لكل متخصص في علوم التغذية فائدة هذه الأوامر بالبعد عن الإسراف في تناول الطعام والشراب على صحة الشخص، قال تعالى: "وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"سورة الأعراف.

وجاء الأمر بالاعتدال والتوازن في الإنفاق للمال والاعتدال في المصروفات، ووضع الإسلام منهجا متكاملا للاقتصاد والمال، قال تعالى: "وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا" سورة الإسراء  29،30

التوازن عند تحمل المسؤولية
بعض المتحمسين عندما يرى ما يحدث لأمته من ذلٍّ وهوانٍ، تراه متحمِّسًا حماسًا شديدًا للعمل للإسلام، فيدفعه هذا الحماس إلى الانشغال بأمور الدعوة بين الناس، أو الأعمال الخيرية والخدمية، ويهمل دراسته أو وظيفته، أو بيته ظنًّا منه أن الأولوية للدعوة، ولا يعمل بمبدأ التوازن والتوسط.
وعندما يرى بعض الناس الهجوم الشرس الذي يتعرض له المسلمون من الأعداء، والخطط المتواصلة والمؤامرات المستمرة للتغريب و طمْس الهوية الإسلامية لأبناء الأمة- سواءٌ في وسائل الإعلام أو مناهج التعليم- فإنه يبدو خائفًا على أولاده من هذه الهجمة ومن الانحرافات المنتشرة؛ وينعكس هذا على تصرفاته التربوية مع أولاده، فيمنعهم من الزيارات أو الاختلاط بالآخرين، أو يراقب كل تحركاتهم ولا يمنحهم الثقة في أنفسهم، ولا يحاول من البداية ترسيخ مبدأ الخوف من الله تعالى في نفوسهم، فإذا ابتعد عنهم وقعوا فيما كان يخاف منه!

وبعض الناس عندما تكثر الفتن التي تحيط بالمسلم في الليل والنهار، فيخاف على نفسه ويفكِّر في كيفية النجاة منها، وينعزل ويهمل واجبات أخرى كثيرة.

أو العكس من ذلك تستغرق تقلب الأمور السياسية، وكثرة الحركات الثورية بعض الناس، فيهمل جوانب أخرى عديدة من حياته، فالاعتدال والتوازن هو الحل.

التوازن العاطفي
يحاول المسلم أن يتعلم مبدأ التوازن في حياته العاطفية، ويتدرب ألا ينخرط بشدة في بكاء أو حزن إذا وقعت له مصيبة أو أصابه ابتلاء، أو في يفرط ويسرف في عواطفه و حبه، أو أي منحى من مناحي الحياة العاطفية.
فبعض الناس يفرط في بعض العلاقات، كالحب الشديد من صديق لصديقه،  وأيضا يسرف بعض الناس في الفرح والضحك، أو يسرف في الحنان والعاطفة، أو في الشعور بالسعادة لكثرة مال أو ولد أو الوصول لمنصب أو جاه، ويظن أن هذا هو المنبع الوحيد للسعادة وأن لا حياة له إلا به، ولكن قد تتغير الأحوال وتتقلب الأمور، وقد يصدم أو تتحطم نفسيته إذا فقد المال أو إذا هجره الحبيب، أو إذا تخلي عنه الصديق، أو يشعر بخيبة أمل كبيرة تؤثر على توازنه واعتداله.

وحتى تكون ردة فعلنا متوازنة يجب أن نتعلم مبدأ التوازن، وندرب أنفسنا كيف نكتسب مهارة التوازن في الحب والمشاعر، ونتمرن على ممارستها في كل أمور حياتنا؛ فالتوازن في العواطف والمشاعر أمر محمود بحيث لا يطغى أمر من أمور حياتنا على آخر، وبهذا المعنى جاء توجيه نبوي كريم، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون بَغِيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا ما عسى أن يكونَ حَبِيبَكَ يومًا ما"رواه الترمذي وحسنه، وحسنه الألباني. فهذا توجيه كريم للاعتدال في الحب وعدم الإسراف في العواطف.

فلنرفع إذن شعار التوازن والوسطية والاعتدال في كل أمور حياتنا، ولنتذكر أن الله جعلنا أمة وسطا "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً"سورة البقرة143.

JoomShaper