عبدالكريم الملا
(حسبك يا أصيل لا تُحْزِنَّا) قائل هذه العبارة هو محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قالها وهو في شوق وحنين لوطنه مكة المكرمة حفظها الله من كل مكروه وحفظ جميع بلاد المسلمين، قالها وهو يتفطر قلبه شوقا وحبا لها وفي رواية أخرى فيها (ويها يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها)، ياحبيبي يارسول الله علمتنا الأدب قبل العلم وأدب مع الفطرة المكنونة في النفس، أدب مع العواطف الفطرية من حب للوطن وللأرض ولمن سكن الديار.
أصيل صحابي جليل يصف مكة المكرمة ففي الحديث الشريف، قدم أصيل الغفاري إلى المدينة بعد الهجرة فدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها — قبل أن يفرض الحجاب — فقالت له: يا أصيل! كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي فلم يلبث أن دخل النبي، فقال له:(يا أصيل! كيف عهدت مكة؟) قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق اذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال: (حسبك يا أصيل لا تُحْزِنَّا)، وفي رواية: (ويها يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها).
فداك أبي، وأمي، ونفسي، وروحي، يا رسول الله، وصلى الله عليك على رقة قلبك، وحنينك إلى وطنك، لقد علمتنا الوطنية بكل معانيها.
وكان صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا — أي من حُبِّ المدينة. تأمل حالك عندما تقترب من وطنك تسرع شوقا وحبا لوطنك لأنه شيء فطري.
إن رقي النبي صلى الله عليه وسلم في الجانب العاطفي يتجلى حتى في تعامله مع معالم الأرض، وعندما يتكلم عن جبل أحد كما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم إلى المدينة راجعاً من خيبر وبدا له "أحد" قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" تأمل هذا الرقي في التعامل لا مع البشر بل مع معالم وتضاريس على وجه الأرض إنه جبل ولكن هناك عاطفة تتعامل مع الإنسان ومع الجمادات، إنها عاطفة الحب " هذا جبل يحبنا ونحبه " إني استشعر كلام الحبيب صلى الله عليه وسلم واستشعر مواقف بعض الرجال عندما يقول " لم اتعود على أن أقول كلمة أحبك لزوجته " والنبي يقولها للجبل فتأمل الجفاف العاطفي لدينا وقارنها بالعاطفة النبوية التي تنهمر من أعالي الجبال كشلال الماء ثم يتحول إلى نهر جارٍ، إنها العاطفة المحمدية.
وقد عبر أهل العلم عن هذا الحب الفطري فيقول الإمام الزاهد إبراهيم بن أدهم: «عالجت العبادة فما وجدت شيئاً أشد علي من نزاع النفس إلى الوطن» (أبو نعيم في الحلية). فترى البلد القليل الأمطار الكثير الحر أو الكثير الأوبئة، ومع هذا لا يعدل به أهله جنات في الأرض وأنهاراً.
هل يؤجر المسلم في حبه لوطنه وحنينه له:
يقول الحافظ بن حجر في فتح الباري على حديث أنس «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته — أي أسرع بها — وإذا كانت دابة حركها من حبها» قال رحمه الله: فيه دلالة على مشروعية حب الوطن والحنين إليه.
وإن دعاءه صلى الله عليه وسلم أن يحبب الله إليهم المدينة كحبهم مكة أو أشد، إنما هو لما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إليه، وذلك لحديث عائشة في الصحيحين: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» دليل على مشروعية حب الوطن.
ويؤكد القتال في الدفاع عن بلد المسلمين قوله تعالى: {ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا}. فصاحب الفطرة السليمة والدين المستقيم يجد حرمة بلده في قلبه، كحرمة أهله، أو أبويه، وإخوانه، كما قال بعض الحكماء: تربة الصبا تغرس في النفوس حرمة، كما تغرس الولادة في القلب رقة.
وهذا أمر واضح جلي في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قضى أحدكم حجه فليعجّل الرجوع إلى أهله فإنه أعظم لأجره» (رواه الحاكم عن عائشة وهو حديث صحيح) يقول العلامة المناوي في شرحه: قوله فليعجل: أي فيسرع ندباً، الرجوع إلى أهله: أي وطنه وإن لم يكن له أهل — ولاحظ هنا أن الشارع يعبر بالأهل ويريد به الوطن فإنه أعظم لأجره: لما يدخله على أهله وأصحابه من السرور بقدومه.
نحن بحاجة إلى ذكر هذه المواقف النبوية والأقوال المحمدية وأقوال العلماء لأبنائنا وبناتا في البيوت والمدارس عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وفي خطب المساجد نحيي في نفوسنا حبنا لأوطاننا وللديار، حتى نستلهم روح العطاء والبذل بالغالي والرخيص، إن توضيح الجانب الشرعي للناس لدافع للحب والعطاء.
وفي نهاية المقال أتقدم بأجمل التهاني للحكومة القطرية والشعب القطري ونهنئ أنفسنا جميعا بمناسبة حلول اليوم الوطني متمنيا من الله تعالى أن يعيد علينا سنوات عديدة ونحن في أمنٍ واستقرارٍ وبذلٍ وعطاء.
أحبك يا وطني
- التفاصيل