علي محمد الغريب
صرح الدكتور محمود خليل ـ مدير عام إذاعة القرآن الكريم المصرية ـ بأن الاغتراب الثقافي من الأزمات التي لها جذور قديمة في مجتمعاتنا العربية، وقال في حوار مع موقع "لها أون لاين": إن الكثير من الكتّاب والمفكرين بذلوا جهودا كبيرة في هذا الاتجاه أمثال الشيخ محمود شاكر، وأديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي، والدكتور محمد محمد حسين، وأنور الجندي، وغيرهم الكثيرون، ويرى الدكتور خليل أن المشكلة ليست في قلة أو ندرة الجهد التنظيري في هذا الاتجاه، لكن ثمة مشاكل أخرى.
*ما هذه المشاكل؟
أبرز هذه المشاكل، ضعف الوسيط الذي ينقل هذه الأفكار التي حذر منها المفكرون والعلماء الإسلاميون،عبر العصور، ونحن الآن نعاني قطيعة بين المنتج والمنتج إليه.
*كيف نحل هذه المشكلة وما السبل لتفعيل هذه الوسائط؟
ـ الحل في وجود مؤسسات متخصصة، تتصدى لهذا الاغتراب، فالمنجز الذي قدمه العلماء والمفكرون عبر السنين برغم تراكمه وجودته، إلا أنه يبقى نتاجا فرديا، كان الباعث الشخصي فيه أقوى من الباعث المؤسسي، ومع هذا راكم كما كبيرا في مواجهة الاغتراب الثقافي.
والمطلوب منا في الوقت المعاصر الاستفادة بهذا الكم الهائل مما أنتجه العلماء المسلمون عبر أطر معاصرة تتناسب مع معطيات العصر، الذي يتسم بالسرعة وانتشار الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.
*هناك بالفعل مؤسسات إعلامية تهتم بهذا الجانب، ولها جهود ملموسة؟
ـ نحن لا نتغافل وجود مؤسسات ذات تأثير ملموس، لكننا نحتاج أن تكون مواجهة الاغتراب الثقافي، ثقافة قائمة بذاتها لدى رأس المال والمستثمر المسلم، لا يكفي وسيلة أو اثنين أو حتى عشر وسائل، بل لابد من مواجهة الاغتراب على كافة مستوياته، بدءا من الاغتراب الثقافي والفكري، وانتهاءً بالاغتراب الترفيهي، الذي يغزونا بشكل كبير ولا لمواجهته بجدية.
*نتحدث دائما عن سلبيات الاغتراب ألا يوجد اغتراب إيجابي؟
ـ نحن نتحدث عن سلبيات الاغتراب، لأنها الغالبة في حقيقة الأمر، لكن هناك نوع من الاغتراب يمكن أن نعتبره اغتراب إيجابي، وهو الاغتراب الواعي الرافض للانخراط في الثقافات الوافدة المتمسك بالثقافة الأصلية التي تنطلق من القيم الإسلامية.
هذا الاغتراب يمكن أن نعده اغترابا إيجابيا، لأنه في الحقيقة عودة للذات وتمسك بالهوية، وإن بدا أنه رفض لمسايرة السائد، وغالبا ما يعاني أصحابه ممكن ولهم، لكنهم في النهاية ينتصرون.
*منذ بداية موجة الربيع العربي مطلع عام 2011م وهناك حالة من عدم الاستقرار في البلدان التي شهدت هذه الأحداث.. في رأيك هل هناك رابط بين الاغتراب الثقافي سلبا أو إيجابا مع هذه الأحداث؟
ـ أرى أن هذه الأحداث تصب إيجابا في عودة الوعي والتمسك بالهوية، وعدم الافتتان بالغرب الذي عانت منه أجيال سابقة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم.
لكننا في الوقت الراهن يمكن أن نعد أنفسنا في طريق استعادة الذات الثقافية والحضارية المسلوبة، عبر عقود طويلة، كانت الثقافة أقوى الأسلحة الناعمة في تحولنا عن قيمنا.
فقد أصبحنا ندرك بما لا يدع مجالا للتردد مقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"رواه الحاكم والبيهقي وصححه الألباني.
*ما دور الشباب في مواجهة الاغتراب الثقافي؟
ـ دور الشباب هو الدور الأكبر والأهم، لا سيما أنهم متخففون من ميراث الماضي المحمل بالهزائم النفسية تجاه الثقافة الغربية، ويتعامل أغلبهم ـ إن لم يكن بانتماء ـ بحيادية وندية مع الثقافة الغربية، وهي مرحلة جديرة بالاهتمام بها، إذ حين نخلي بين الشباب وبين ما أنتجه كبار العلماء والمثقفون الإسلاميون سيكتشفون روعة الإسلام حضارة وثقافة، يحملونها ويبشرون بها، وهم يشعرون بالاعتزاز والفخر بانتمائهم للإسلام ولثقافته الرائدة.