حمدادوش ناصر
يعتقد البعض خطأً أن اتساع الزمن هو الفرصة التي تتاح لنا من أجل القيام بالعديد من الواجبات, وكلما امتدّ الزمان اتساعا كلما كان النهوض بالأعمال أكثر وفرة وأشدّ فاعلية, وكأنّ الزمن هو الوعاء الحقيقي للعمل: كمًّا وكيفا, زيادة ونقصا.. إلا أن هذا الكلام خاطئٌ من الناحية العلمية وبالتالي فهو لا يستقيم من الناحية الشرعية, فالحقيقة العلمية تقول: أن الحركة والعمل هي التي تنشئ امتداد الزمن وظهوره, إذ هو البعد الرابع بعد الطول والعرض والإرتفاع, ولكن فقط: عندما يتحرّك الجسم, فإن كان ثابتا لم يكن لامتداد الزمن اعتبارٌ ولا لوجوده أثر..                                                                                 
ووفق التصوّر الإسلامي: فإن الدعامة الحقيقية للقيام بالإنتاج وتحقيق الإنجاز ليس هو طول الزمن (العمر), وإنما هو التوفيق والعناية الربانية التي ترافق العبد فتحلُّ البركة الإلهية فيه, فهي تحلّ في الإنسان: مثل قوله تعالى: " وجعلني مباركا..", وفي المكان مثل قوله: " ونجّيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين..", وفي الزمان مثل قوله: " إنا أنزلناه في ليلة مباركة.", فيحقّق الله بها للعبد: الإنجازاتِ الكبيرة في الأوقات القصيرة, وهي من أسرار الله تعالى يودعها فيمن يشاء من عباده.. روى الإمام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم, فأعطاه الله تعالى ليلة القدر: خيرٌ من ألف شهر.. ونقل الحافظ ابن كثير في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك, قال فأنزل الله عز وجل: " ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر", وعن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي ففعل ذلك ألف شهر فأنزل الله هذه الآية..وذكر أن أربعةً من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين, قال: فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل فقال: يامحمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين, فقد أنزل الله خيرًا من ذلك فأنزل الآية, وقال: هذا أفضل مما عجبتَ أنت وأمتك, قال: فَسُرّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس..والخلاصة: أن العبرة ليست بطول الزمن (الأعمار), وإنما بحسن الأعمال والأحوال, ورُبّ لحظة واحدة في جوهرها خيرٌ من الحياة كلّها, فلحظةٌ واحدة مثلاً من حياة الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من حياةٍ كاملة لكثيرٍ من البشر, قال تعالى:" والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.."(التوبة:100).

إن الله عزّ وجلّ قد أكرم هذه الأمة فأعطاها من الدقائق الغالية والفرص السانحة والنفحات الإلهية ما تستدرك وتعوّض به قِصَر أعمارها, فقد جاء فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعمار أمتي ما بين السّتين إلى السّبعين..".

وهناك نفحاتٌ إلهية ومِنح ربانية وهدايا قدسية تتطلع إليها أشواق الروح لابد أن ننتبه إليها ونتعرّض لها, فقد أخرج الطبراني: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ لِرَبِّكُمْ فِي بَقِيَّةِ دَهْرِكُمْ لنَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لنفحات الله، فلَعَلَّ دَعْوَةً أَنْ تُوَافِقَ رَحْمَةً يَسْعَدُ بِهَا صَاحِبُهَا سَعَادَةً لَا يَخْسَرُ بَعْدَهَا أَبَداً".   

ومن هذه النفحات: العشر من ذي الحجة, فقد أقسم الله تعالى بها في كتابه العزيز فقال تعالى:" وَالْفَجْرِ, وَلَيَالٍ عَشْرٍ" (الفجر:1, 2), وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على فضل الأيام العشر من ذي الحجة وشرف العمل الصالح فيها, وعن ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه  البخاري في صحيحه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء), وفي رواية عند الطبراني في "الكبير":" مَا مِنْ أَيَّامٍ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ", وفي رواية عند الدارمي:" مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ أَعْظَمَ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الأَضْحَى".والحديث عامٌ في كلّ الأعمال الصالحة بدون استثناء: من قراءة القرآن الكريم والذكر والدعاء وصلة الرحم والصدقة وفعل الخير وتعلم العلم وتعليمه والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى ونصرة المسلمين وقولِ كلمة الحق وتربية الأبناء وتأديب الأهل وحسن الخُلق وطيب المعاملة والمحافظة على الصلاة في وقتها وفي الجماعة والمحافظة على السنن والصيام التطوع وإتقان العمل...وغيرها مما يندرج تحت اسم: العمل الصالح والفعل النافع في الدنيا والآخرة.. قال الحافظ ابن حجر: " وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي اِمْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اِجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِا، وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.", وقال ابن رجب في فتح الباري : "هذا الحديث نصٌّ في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة ؛ لفضل زمانه، وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره ..".      وقد ورد في تعظيم هذه الأيام آثار عدّة منها: ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «كان يُقال في أيام العشر: بكلِّ يومٍ ألفُ يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم»، يعني في الفضل، ورُوي عن الأوزاعي قال: «بلغني أن العمل في يوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يُصام نهارها ويُحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بالشهادة.».

_ بركات الأعمال في هذه الأيام:

1_ الصيام: يستحبّ للمسلم أن يصوم الأيام التّسع الأولى من ذي الحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على العمل الصالح فيها, وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر: الإمام النووي وقال: صيامها مستحب استحباباً شديداً, وقد أخرج الترمذي وابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ".  ومن هذه الأيام: اليوم التاسع (يوم عرفة) فقد جاء في الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صيامُ يومِ عرفة يُكَفّر سنتين: ماضية ومستقبلة ، وصومِ عاشوراء يكفّر سنة ماضية " أخرجه الإمام مسلم والترمذي وأحمد.

2_ التكبير: قال الإمام البخاري : كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر: يكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما, وكان عمر رضي الله عنه يكبّر في قبّته بِمنىً ، فيسمعه أهل المسجد فيكبّرون ويكبّر أهل الأسواق حتى ترتجّ منىً تكبيراً, ويحسن بالمسلم أن يحرص على التكبير الجماعي ما أمكنه ذلك، وأن يجهر بالتكبير ويرفع صوته به.

3_ الأضحية: فقد أخرج الترمذي وحسّنه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ :" مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنْ الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا".  وأخرج ابن ماجه وأحمد والحاكم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ : «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» قَالُوا : فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : «بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ» قَالُوا : فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : «بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنْ الصُّوفِ حَسَنَةٌ»

4_ الدّعاء: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (أخرجه الترمذي في الدعوات), قال ابن عبد البر: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي الحديث أيضًا دليلٌ على أن دعاء يوم عرفة مجاب كلّه في الأغلب.» (التمهيد: 6/41 ).

_ بركات الزمان في هذه الأيام:

_ فيها يوم عرفة: وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة, وهو يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عن سيئات العباد، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة..", وروى ابن حبان من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ" وفي رواية: " إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ, فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي, اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي, قَدْ أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا, أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم".

_ وفيها يوم النّحر: وهو اليوم العاشر من ذي الحجة, وهو عيد الأضحى المبارك، وهو أفضل الأيام على الإطلاق كما في الحديث: «أفضل الأيام: يوم النّحر»(رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح)، وفي يوم النّحر معظم أعمال النّسك للحجاج من: رمي الجمرات وحلق الرأس وذبح الهدي والطواف والسعي وصلاة العيد وذبح الأضحية .

_ كيف تحجّ بقلبك وأنت في بيتك؟

هذه هي أعظم الأيام العشرة في السَّنة على الإطلاق، وهي فُرصةٌ  لكي نعيش الأجواء الإيمانية والنفحات الإلهية التي يعيشها الحجاج هناك, وإذا كان قد حبسك العذر وعجزت عن القدرة المادية أو الصحية أو الإجرائية والإدارية, فإنه بإمكانك أن تحجّ بقلبك وأنت في بيتك, ولكن كيف ذلك؟

1_ استحضار نيّة الحجّ: بأن تعيش بقلبك وتحضر بمشاعرك مع الحجّاج, وأن ترافق بعلمك أعمال الحجّ فتكفيك هذه النيّة لنيل أجر الرّكن.. مثل مَن حبسه العذر في الجهاد, فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنصَارِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غزوة تبوك فَقَالَ:" إِنَ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً إِلاَ كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعذر" وَفِي رِوَايَةٍ : " إلاَ شَرِكُوكُمْ فِي الأجْرِ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن القيام ببعض الأعمال تعدل ثواب الحج والعمرة فلا تحرم نفسك منها وهي:

2_ المحافظة على صلاة الفجر في جماعة: ففي سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلّى الصبح في جماعة، ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة".. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تامة تامة تامة".

3_ الخروج إلى صلاة الجماعة في المسجد: ففي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تطهّر في بيته، ثم خرج إلى المسجد لأداء صلاة مكتوبة، فأجره مثل أجر الحاج المحرم، ومن خرج لصلاة الضّحى كان له مثل أجر المعتمر"..

4_ حضور مجالس العلم في المسجد: فقد أخرج الطبراني والحاكم عن أبي أُمامة عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: " مَن غدا إلى المسجد لا يريد إلاَّ أن يتعلَّم خيرًا أو يعلّمه، كان كأجْرِ حاجٍ: تامّةٍ حَجَّته.".

5_ برّ الوالدين: فقد أخرَجَ أبو يَعْلى بسند جيِّدٍ أنَّ رجلاً جاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: إنِّي أشتهي الجهادَ ولا أقدر عليه، قال: " هل بَقِي مِن والديك أحدٌ؟"، قال: أُمِّي، قال: " فاتَّقِ الله فيها، فإنْ فعلتَ فأنت حاجٌّ ومُعتمِر ومُجاهد ".

فاللّهم لا تحرِمنا بركات ونفحات هذه الأيام, ولا تحرِمنا أجر وثواب الحج والعمل الصالح فيها, واجعلنا جميعا من عتقاء النار...اللهم آمين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

مجتمع السلم

JoomShaper