نجوى شاهين
رحلة الحج رحلة تربوية إيمانية، ينفق فيها الحج الوقت والمال والجهد، فهي من أشرف الرحلات التي يقضي فيها المسلم وقتا من عمره، وهذا الوقت لو أحسن استثماره، لرجع بذنب مغفور وسعي مشكور وعمل متقبل مبرور، ومن الأمر التي ينبغي أن يصرف فيها الحاج وقته، رجاء التقرب إلى الله تعالى وتحصيل الثواب، هو إشغال نفسه بالذكر والدعاء، خاصة أن هناك مواضع كثيرة يستجاب فيه الدعاء في رحلة الحج، وأيضا لكي يبتعد عما يغضب الله تعالى ويعود كيوم ولدته أمه، قال رسول الله e : "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " متفق عليه، ولكي يحصل ذلك فلا بد أن يشغل نفسه دائما بالدعاء، ويواظب على قراءة القرآن، ويكثر من الذكر.
والدعاء هو العبادة كما ورد في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: سمعت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ على المنبرِ: إنّ الدعاءَ هو العبادةُ ثم قرأ {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ}[سورة غافر: 60]. رواه أبو داود والترمذي وصححه النووي وغيره.
و قد اشتهر عن الحجاج أن خير الدعاء، دعاء يوم عرفة كما في الحديث: "خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفَةَ وخيرُ ما قلْتُ أنا والنبيونَ من قبلي لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" رواه الترمذي وصححه الألباني.
ولكن توجد مواضع كثيرة أخرى يستجاب فيها الدعاء في الحج، وقد أحصاها الإمام الحسن البصري، ونقلها عنه النووي في كتاب الأذكار(باب أذكار الحج) فبلغت خمسة عشر موضعا، فينبغي على المسلم أن يغتنم تلك الأوقات، ولا يضيع هذه الفرص الثمينة فيما لا يفيد، خاصة أن الحاج يكون لديه أوقات كثيرة فارغة، فعليه أن ينشغل بالذكر والدعاء، وبذلك يحفظ لسانه، بدلا من صرف الأوقات في أمور غير مفيدة، كما يواظب على الأذكار خاصة بعد نية الإحرام فيكثر من التلبية، والتحميد والتهليل والتسبيح، فإنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله.
وقبل ذلك نذكر بفضل الدعاء، وآداب الدعاء، وشروط استجابة الدعاء، وقد وردت آيات كثيرة وأحاديث عديدة تحث على الدعاء وتبين فضله، منها: قوله الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [سورة البقرة: 186]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها» [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني].
من أهم آداب الدعاء باختصار التي ذكرها الإمام الغزالي والإمام النووي وغيرهما:
1- التوجه إلى الله تعالى بإخلاص، وسؤاله بصدق، والتضرع إليه.
2- الإلحاح في الدعاء دعاءه وعدم الاستعجال.
3- أن يبدأ العبد دعاءه بحمد الله والثناء عليه ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
4- تجنب الدعاء على الأهل والمال والولد.
5- الوضوء واستقبال القبلة حال الأعداء.
6- خفض الصوت والإسرار بالدعاء.
7- عدم تكلف السجع في الدعاء.
8- الاعتراف بالذنب والاستغفار.
ولا بد لاستجابة الدعاء من مراعاة شروط إجابة الدعاء، أو معرفة موانع إجابة الدعاء، ومن أهمها: عدم الإخلاص، أو التوجه لغير الله بالدعاء، وعدم الحرص على المطعم الحرام، والمشرب الحرام، والملبس الحرام، التغذية بالحرام، (راجع الحرص على النفقة الطيبة في الحج) ومنها: غفلة القلب وشروده، ومنها:الدعاء بالإثم أو بقطيعة الرحم.
المواضع يستجاب فيها الدعاء في الحج، وقد أحصاها الإمام الحسن البصري، ونقلها عنه النووي في كتاب الأذكار(باب أذكار الحج)، وسنذكر ستة مواضع بالتفصيل، وبقية المواضع باختصار.
1- الدعاء يوم عرفة:
قال صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
2- الدعاء عند الصفا والمروة:
عن جابر رضي الله عنه قال: "... فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا أنصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى إذا أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا" [رواه مسلم].
3- الدعاء عند المشعر الحرام:
لحديث جابر رضي الله عنه أيضا وفيه: "... ثم ركب القصواء (اسم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في الحج) حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا" [رواه مسلم].
4 - الدعاء بعد رمى الجمرة الصغرى والوسطى:
أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا رمَى الجَمرَةَ التي تَلِي مسجدَ مِنًى، يَرمِيْها بسبعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ كلما رَمَى بحَصاةٍ، ثم تقَدَّم أمامَها، فوقَف مُستَقبِلَ القِبلَةِ، رافِعًا يدَيه يَدعو، وكان يُطيلُ الوُقوفَ، ثم يأتي الجَمرَةَ الثانيةَ فيَرمِيْها بسبعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ كلما رَمَى بحَصاةٍ، ثم ينحَدِرُ ذاتَ اليَسارِ، مما يَلي الواديَ، فيَقِفُ مُستَقبِلَ القِبلَةِ رافِعًا يدَيه يدعو، ثم يأتي الجَمرَةَ التي عِندَ العَقَبَةِ، فيَرمِيْها بسبعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ عِندَ كلِّ حَصاةٍ، ثم يَنصَرِفُ ولا يَقِفُ عِندَها . قال الزُّهرِيُّ: "سَمِعْتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ يُحَدِّثُ مِثلَ هذا، عن أبيه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان ابنُ عُمَرَ يَفعَلُه" رواه البخاري.
5- الدعاء داخل الكعبة أو داخل الحجر:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها [رواه مسلم].
6- الدعاء عند شرب ماء زمزم:
فعن جابر رضي الله عنه :أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما شرب له» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].
وأما بقية مواضع استجابة الدعاء في الحج: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي منى، وفي المزدلفة، وعند رمي الجمرات، وزاد بعضهم: وعند الذبح للهدي أو الأضحية.
دعوة الحاج والمعتمر مستجابة:
ويحاول الحاج أن يكرر ويلتزم بالأدعية الواردة في الكتاب والسنة، ولا بأس من الزيادة عليها، وليعلم أن للحاج دعوة مستجابة كما ورد في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم» [رواه ابن ماجه وحسنه الألباني].
ويمكن أن يحمل معه أحد الكتب المحققة والموثقة، التي تعينه على ترديد الأذكار، أو تذكر الأدعية، و إن لم يجد أو فقد الكتاب، فيدعو من قلبه بصدق وإخلاص، مع التذلل الانكسار بين يدي الله تعالى، ولا ينس شروط استجابة الدعاء، و يحاول أن يلتزم بآداب الدعاء، ويمكن أن يحرص على كتاب الأذكار للإمام النووي، أو حصن المسلم، أو غيرهما.
مواضع استجابة الدعاء في الحج
- التفاصيل