تتقافز الأخبار الساخنة من مختلف الدول، القريبة والبعيدة، تتحدث عن قتلى وجرحى، اختطاف واحتجاز، ثورات وانقلابات، دماء تراق لأقل سبب، وأشخاص لهم وزنهم تغيبهم السجون، ومعارك وتفجيرات لا تفرق بين صغير أو كبير، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين ظالم أو مظلوم. ويتساءل الكثيرون.. ماذا نفعل؟ وأي دور يمكن أن نقوم به؟ وأين العلماء والدعاة من كل ما يحدث؟ وإن قدّم هؤلاء العلماء آراءهم فأي رأي نأخذ منهم خاصة وأنهم مختلفون ومتناقضون أحياناً.؟ نسترجع بين الحين والآخر أحداث ومواقف من التاريخ لنعرف من على الحق، ومن على الباطل. وماذا يتعين علينا أن نفعل. تقودنا الكثير من الخيوط إلى مكان واحد.. هو نفس المكان الذي انطلقنا منه، وهي أنفسنا نحن.. نعلم يقيناً أن كل منا سيسأل عن عمله وحده يوم القيامة، ومع ذلك ننساق مع الحشود والتجمعات البشرية لفعل أشياء قد تكون خاطئة، هي الغريزة التي تحكم عملنا الجماعي، فنرى أننا نركض مع من يركض، أو نصرخ مع من يصرخ، دون أن نعي تماماً ما نقوم به، أو لماذا نقوم به أصلاً.
ولنا في الأمثال الشعبية نصيب كبير من هذا التوصيف الجماعي، فنسمع في بعض الثقافات أمثلة مثل " حشر مع الناس عيد" أو "الموت مع الجماعة رحمة" أو " إذا جنو ربعك عقلك ما يفيدك" أو "ضع رأس بين الروس وقول يا قطاع الروس" وغيرها. وعندما نريد أن نصلح أمة، أو أن نتقي فتنة، أو أن نغير قوم، فإننا سنجد أنفسنا في النهاية غير قادرين على تغيير أي أحد إلا "نفسنا" فقط. بل إن أكثرنا يجد نفسه غير قادر على تغيير نفسه، فكيف يريد أن يغير أمة، أو ينقذ بلد، أو يساند قضية، أو يحل أزمة. الرسول المصطفى محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول في الفتن " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به". وفي صحيح البخاري، عن حديث حذيفة بن اليمان حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر، فحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاة على أبواب جهنم، ونصحه بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فسأله حذيفة "فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام"، قال صلى الله عليه وسلم "اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". وفي أحاديث الفتن، يعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرة في ملعب المسلم نفسه، بأن يلتزم، وأن يبتعد عن الفتن، وأن يعتزل، ولم يطلب من المسلم أن يدخل في الفتن لوأدها، ولا أن يتحيز لخصم ضد آخر، ولا أن يريق دم، أو يأخذ بثأر، أو يقاتل تحت لواء أحد. وهذا ربما يوصلنا إلى أمر سديد في مثل هذه الفتن التي نعيشها، وهو أن يصلح كل منا نفسه، فيزيد من طاعاته، ويقبل على ربه، ويلتزم العمل الصالح، ويصلح من شأنه ومن شأن أخلاقه.. وفي النهاية لو استطاع كل منا أن يفعل هذا، لوجدنا الأمة قد صلحت بصلاح أنفسنا، ولوجدنا الفتنة قد وئدت حين وأدنا الشر في نفوسنا، ولوجدنا الحق جلي واضح حين أصبحت قلوبنا معلقة بالله وحده، لا بمنصب أو جاه أو مال أو مصلحة شخصية. "كل منا أمة، فليصلح كل منّا أمته أولاً، قبل أن يقاتل لإصلاح أمّة غيره".