لها أون لاين
تختلف نظرة الغرب إلى المجتمعات الإسلامية عن نظرتها إلى دول الشرق، أو حتى الدول الإفريقية، فالعالم الإسلامي في الخبرة الأوروبية الغربية ليس مجرد كيان جغرافي مجاور لأوروبا وحسب ـ له خصوصيته الثقافية والحضارية كغيره من مناطق العالم الأخرى ـ بل إن صورة الشرق الإسلامي في حس المجتمعات الغربية أعمق وأخطر من ذلك، فهو الحضارة التي ظلت تنافس حضارتهم مئات السنين، والتي تمكنت من احتلال مساحات واسعة من أراضيهم لمئات السنين، في غرب أوروبا (الأندلس) وهددت فرنسا، أو في الشرق حيث وصل المد الإسلامي حتى أبواب فيينا، واستمرت شرق أوروبا تحت سيطرة العثمانيين حتى قبيل سقوط الخلافة العثمانية ـ كما لم تفعل أي حضارة أخرى ـ بل إن أوروبا لم تتعرض عبر تاريخها الطويل لغزو خارجي إلا من العالم الإسلامي، باستثناء الغزو الفارسي للمدن اليونانية 490ق.م، والذي ظل لسنوات معدودة فقط، بل على مدار قرون مضت ظل العالم الإسلامي هو الصورة المضادة للغرب، إذ إن الصراع الإسلامي المسيحي ظل محتدما طوال تاريخ الإسلام.
هذه الخبرة الغربية يعبر عنها "أيوجين روستو" ـ رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط ـ قائلا : "يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية... إن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي".
فهم هذه الحقيقة تفسر لنا الكثير من تصريحات ومواقف ساسة الغرب تجاه العالم الإسلامي – نحو تصريح اللورد اللنبي، بعد احتلال البريطانيين للقدس في أواخر سنة 1917م ، عندما قال :"اليوم انتهت الحروب الصليبية"، وقريب من هذا ما قاله الجنرال غورو عندما دخل دمشق الشام ووقف على قبر صلاح الدين الأيوبي، وقال: "ها قد عدنا يا صلاح الدين" وفي السنوات الأخيرة تصريح بوش في أعقاب تفجيرات سبتمبر عن الحرب الصليبية التي سيشنها على عدد من الدول الإسلامية.. كما أنها تفسر عدد من الظواهر والمواقف الغربية نحو حالة الإسلاموفوبيا والحرب على المظاهر الإسلامية نحو المآذن في سويسرا والحجاب في فرنسا.
إن صراعنا مع الغرب ليس صراعا على ثروات أو موارد كما يحاول البعض أن يروج له، وإن كانت الثروات تؤججه وتساعد على اشتعاله. إنه في الأساس صراع على الوجود والعقيدة والحضارة وسيظل هذا الصراع بين العالم الإسلامي والروم (الغرب) حتى ينزل المسيح عليه السلام في آخر الزمان. هذه هي القاعدة التي يجب أن ندركها وننطلق منها في فهم وتحديد علاقتنا بالغرب.
نحن والغرب.. وخبرة التاريخ
- التفاصيل