محمد سعيد باه
يمكننا أن نعتبر هذه المرأة التي نروي قصة رحلتها مع الإيمان بنت الكنيسة بكل ما في الكلمة من معنى، يكفي أن أمها كانت تعرف في المنطقة بمضيفة أو والدة الكنيسة لشدة ما تسخر نفسها وأسرتها، وما لها من إمكانات لصالح الكنيسة ورجالها ونسائها في منطقة «كازَ مانصْ» الواقعة جنوبي السنغال. وانعكس هذا الحب العارم للكنيسة عليها، فيما اعتبره الناس، بركة وتوفيقاً ؛حيث تم رسم أربعة من أخوات صاحبتنا قساوسة يتبوؤون أعلى المراكز في السلم الكنسي، وهو ما زاد حظوة الأسرة لدى قيادة الكنيسة واحترامها في أوساط رعاياها.
اتجاه مغاير رغم هذه الشبكة الكثيفة التي كانت تحيط بهذه المرأة، فإن مصيرها سيختلف بصورة جذرية؛ لأنها ستسير في اتجاه يغاير تماماً ذلك الذي كان مرسوماً لها بعناية ألا وهو أن تكون إحدى ركائز الكنيسة وبالأخص في أوساط النساء. يسرت لها ظروفها الاجتماعية، وما حباها الله من نعمة الذكاء من أن تقطع المراحل الأولى من الدراسة الأمر الذي مكنها من الحصول على فرصة الابتعاث إلى فرنسا لتواصل رحلتها العلمية بعد الحصول على الشهادة الثانوية، وهو الأمر الذي كان يمهد لها الطريق للتمتع بوضع اجتماعي مريح بعد أن تعود حاملة شهادة جامعية.
رحلتها للإيمان والآن، فلندعها تروي لنا قسطاً من قصة رحلتها إلى دائرة الإيمان، كما عاشتها خطوة خطوة والعناية الربانية تمسك بخطامها تقودها عبر تلك الدروب المتعرجة التي تتناثر فيها الابتلاءات التي صقلتها في مسيرتها حتى خلصتها من تلك الشوائب، ويوم تنطق بالشهادة ستكون مستعدة لمجابهة كل الضغوط: كانت والدتي تحبني حباً جماً، ولا تكاد ترفض لي طلباً بل كنت بنتها المدللة، وكانت رغباتي تشبه أوامر يجب تنفيذها، ولم تكن والدتي هي وحدها من كانت تعتني بي بل كل أفراد الأسرة، حتى الرجال والنساء الذين كنت أعتبرهم جزءاً أساسياً من أسرتي كانوا كذلك. زواجها وبعد أن عدت حاملة شهادتي من فرنسا تهافت عليّ الخُطّاب، لكن قدر الله اختار لي من بين هؤلاء ضابطاً عالي الرتبة في الجيش السنغالي، كان قد عين قائداً للمنطقة العسكرية في الجنوب حيث كان التمرد على أشده ، ورغم المعارضة التي أبداها كثير من أفراد عائلتي، فقد اتخذت قراري بالزواج من الرجل، وهكذا كان. والغريب في هذه الزيجة أن كل العوامل كانت قد تجمعت؛ لتجعل الزواج بيننا أمراً شبه مستحيل من الناحية الاجتماعية على الأقل، يكفي أن الرجل الذي تقدم لطلب يدي كان رجلاً ينتمي إلى قبيلة «الفلان» المعروفة بشدة تمسكها بالإسلام في كل أفريقيا، إذ كان مسلماً وشمالياً، وأنا جنوبية مسيحية بل من أسرة غارقة في المسيحية، وهو الأمر الذي جعل قيادة الكنيسة تحارب هذا النوع من الزواج؛ لأنه ينتهي في أغلب الأحوال إلى أسلمة المرأة.
على كلٍ استطعنا التغلب على كل العقبات فتزوجنا، ورزقنا الله بولدين عبد لله وأخيه. تربية أسرية والمعروف أن أغلب الضباط ورجال الجيش عادة، كما في معظم بلدان العالم المتأثر بالحضارة الغربية، ما يكونون بعيدين عن روح التدين بل الأكثر أن يمارسوا حياة المجون والتفلت من القيم والأخلاق ما يجعل بعض الممارسات المرفوضة دينياً وخلقياً مثل شرب الخمر وممارسة الفواحش وضعف أداء الشعائر الدينية، أمراً ذائعاً في هذه الأوساط، لكن الرجل الذي تزوجته كان بخلاف هذا التوصيف بل كان فيه التدين والقيم الصالحة، وهي الأشياء التي أرجح بأنها نتيجة للتربية الأسرية التي غرزت فيه هذه المبادئ التي استطاع بها الصمود أمام تلك الضغوط والمغريات. وكان الرجل قد وطن نفسه على أنه سيعمل بكل ما أوتي من قوة؛ ليجعلني أعتنق الإسلام، وهو أمر لم يقصر فيه يوماً من الأيام، وأما أنا فكنت قررت التحدي والسعي إلى إثبات خطأ من كان يراهن على أنني سأعتنق الإسلام لمجرد التزوج برجل مسلم، ولذلك كنت أرفض حتى مجرد فكرة مناقشة الموضوع. خطة الأسلمة ومن جانبه وضع زوجي خطته منتهزاًً ميلاد ابننا الأول الذي اختار له اسم عبدالله، وكما جرت العادة لدى مسلمي المنطقة اتخذ ذلك مناسبة ضخمة شارك فيها كثير من المدعوين من أقاربه والأصدقاء وزملاء العمل، كما اختار أن تتم العقيقة لدى أسرته، وكان من ضمن خطته أن أعلن اعتناقي الإسلام بهذه المناسبة الاجتماعية. وهنا أشير إلى أمر، اكتشفته فيما بعد، ألا وهو أن تزوج رجل مسلم من امرأة غير مسلمة، رغم أن الإسلام يجيز ذلك، خيار يستهجنه بعض الأسر المسلمة في معظم المناطق الشمالية، وقد يصل موقفها الرافض إلى فرض حصار اجتماعي على من يجرؤ على انتهاك ذلك التقليد، وقد عانى زوجي من هذا الوضع النفسي كثيراً. رفع التحدي كان الموقف في غاية الدقة، إنها مناسبة اجتماعية استثنائية، فالرجل واقع تحت ضغط اجتماعي ونفسي هائل، ومن جانبي كنت مصرة على رفع التحدي مع ما يمكن أن يترتب على هذا الموقف من آثار سلبية على الحياة الزوجية، وفي نهاية المطاف رفضت الرضوخ الأمر الذي اعتبرته والكنيسة من ورائي انتصاراً؛ ومع ذلك تكررت المحاولات من طرف زوجي، وبقيت أنا في موقفي الرافض لأي حديث يمكن أن يفضي إلى دعوتي لاعتناق عقدية الإسلام. لكن قدر الله غالب، وقد يقودك إلى طريق الله من حيث لا تشعر، هذا ما اكتشفته بعد بفترة من دخولي في الإسلام حين كنت أستعيد شريط رحلتي إلى بوابة الإيمان الحق. حين كبر عبدالله وأخوه جاء والدهما بشاب إلى البيت؛ ليعلمهما القرآن على ما جرت عليه العادة في الوقت الحاضر لدى كثير من المتفرنسين الذين يحاولون بذلك أن يعوضوا عن عدم تضمن بعض البرامج في معظم المدارس الخاصة التربية الإسلامية بينما يجد أبناء المسيحيين هذه التربية في مدارسهم الخاصة التي يدرس فيها آلاف من الأطفال المسلمين. حكايتها مع الإسلام وهنا تبدأ حكايتي مع الإسلام!
سمعت هذا الشاب يردد كلمات القرآن، فكانت تتسلل إلى داخلي وتهزني من الأعماق هزاً عنيفاً، وإن كنت لا أفقه شيئاً من هذا الكلام الذي كان الأطفال يرددونه مضمخاًًً بطهر الطفولة وراء معلمهم الذي يملك صوتاً شجياً يحلي به ما كان يقرأه. فوجئت بأنني أصبحت أتشوق للأيام التي كان معلم القرآن يأتي فيها، وفي البداية أزعجني بأنه لم يكن شعور من هذا النوع ينتابني رغم أنني كنت أنشد في جوقة الكنيسة، وهكذا أصبحت جلسات المعلم مع الأولاد على مائدتهم القرآنية جزءاًًً من برنامجي أتحينها، وأشعر فيها بقدر كبير من الأنس. انبهار شديد وفي يوم من الأيام شدتني أصوات الصغار وهو يرددون وراء معلمهم: { اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}(البقرة:255). اجتاحتني موجة من الانبهار، وأنا أنصت لهذه الكلمات؛ لأنني كنت أسمع شيئاً لا عهد لي به على الإطلاق، وكنت موقنة أن وراء هذه الكلمات سراً وأي سر ولم أملك نفسي فطرحت السؤال التالي: ما هذه الكلمات العجيبة التي ترددونها؟ - إنها آية الكرسي! - أيمكنني أن أتعلمها (وأنا غير مسلمة)؟ - بكل تأكيد، إذا كنت راغبة، فأنا على استعداد لأعلمك! وهكذا كان، ولم يمض سوى بضعة أيام حتى أحسنت قراءة آية الكرسي على نحو ما، والغريب أنه من تلك اللحظة أصبحت آية الكرسي أنشودتي الحلوة لا يمل لساني من تردادها، فكنت أشعر بقدر كبير من الحبور وأنا أقرأها. أجواء الفتنة شاءت إرادة الله أن أنفصل عن زوجي وبقي الأولاد معي، واستمرت جلسات القرآن؛ وكانت المنطقة في هذه الفترة تعيش أجواء الفتنة، وكنت أساهم في تخفيف المعاناة عن الناس الذين كانوا يتضررون من شظايا الفتنة، وقد دفعني ذلك إلى العمل الطوعي ضمن فرق «الصليب الأحمر». في أحد الأيام تحركت فرقتنا إلى إحدى المناطق لإغاثة بعض المتضررين وقبل الوصول إلى هدفنا هزنا انفجار هائل بسبب قنبلة مزروعة في طريقنا تطايرت بسببه جثث ركاب السيارة جميعاً أشلاء ممزعة لكني وجدت نفسي بعيدة عنها وأنا أردد أنشودتى الحبيبة لا إرادياً {الله لا إله إلا هو الحي القيوم...}.
النطق بالشهادة فما أن عدت إلى المدينة حتى توجهت إلى بيت الإمام الراتب لأنطق أمامه بشهادة التوحيد، ولتبدأ كذلك رحلة المعاناة لما انهالت علي الضغوط من كل حدب وصوب لكن ربي زودني بعون من عنده مكنني من الصمود والمقاومة. فمن جميل تدبير الله لي أن الكنيسة وأسرتي حاولت أن تستغل مناسبة رسم بعض إخوتي قساوسة لإعادتي إلى رحاب الكنيسة، فأصروا على حضوري للحفلة الضخمة التي ستنظم بهذه المناسبة، وبعد رفض شديد اضطررت إلى الرضوخ وقبل لحظات من مغادرتي بيتي إلى الكنيسة أصيب ابني بنوبة عجيبة نقلناه بسرعة إلى العناية المركزة في المستشفى، فوفق الله الأطباء فأخذ يتعافى، وهنا جاءت خالتي فعرضت على أن تحل محلي في العناية بالطفل على أن أذهب إلى الحفلة وعندما كنت أهم بتناول حقيبة يدي اجتاحتني أزمة مشابهة لتلك التي ضربت ابني منذ قليل فهرع إلى الأطباء يسعفونني.
لكن العجيب في القصة أنه ما كادت الحفلة تنتهي حتى نهضنا جميعنا، وكأننا لم نعان من أي شيء! وحين كنت أغادر منطقة الجنوب، بعد انتهاء مهمتي، كانت مريم تنشط ضمن جمعية المهتدين الجدد بدعم من مكتب لجنة مسلمي أفريقيا / العون المباشر الكويتية في جنوبي السنغال، شدتني كلمات خاصة كان الأولاد يرددونها وراء معلمهم: «الله آياتنا».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة المجتمع الكويتية
جاذبية آية الكرسي
- التفاصيل