ياسر محمود
يبعث الناس يوم القيامة مفزوعين، ويتوافدون إلى المحشر، السابقون ركبانا، والناجون مشاة، والمجرومون مسحبون على وجوههم، فبرزوا جميعا لله الواحد القهار، لا يخفى على الله منهم شيء، في هذه اللحظات العصيبة يجد الإنسان نفسه منفردا متجردا من كل ما كان له، إلا من عمل صالح قدمه لهذا اليوم العصيب.
أمان يوم الفزع
ومن هذه الأعمال التي تكون نجاة لصاحبها في الآخرة، الجهاد في سبيل الله حتى الاستشهاد، فالشهيد يأمن من الفزغ الأكبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ: يُغفرُ لهُ في أولِ دفعةٍ، ويَرى مقعدَهُ منَ الجنةِ، ويُجارُ منْ عذابِ القبرِ، ويأمنُ منَ الفزعِ الأكبرِ، ويُوضعُ على رأسِهِ تاجُ الوقارِ، الياقوتةُ منها خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، ويُزوَّجُ اثنتينِ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العينِ، ويُشفَّعُ في سبعينَ منْ أقاربِهِ" (رواه الترمذي).
ويأمن مع الشهيد من مات وهو مرابط في سبيل الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ماتَ مرابِطًا في سبيلِ اللَّهِ أجرى عليْهِ أجرَ عملِهِ الصَّالحِ الَّذي كانَ يعملُ، وأجرى عليْهِ رزقَهُ، وأمنَ منَ الفتَّانِ، وبعثَهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ آمنًا منَ الفزَعِ" (رواه بن ماجه).
ويدخل أيضا في أمان الله في هذا اليوم العصيب كل من لازمه شعور الخوف والخشية من الله في الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال اللهُ تعالى: وعزَّتي وجلالي، لا أجمعُ لعبدي أمنينِ ولاخوفينِ، إنْ هُوَ أَمِنَنِي في الدنيا أخفتُهُ يومَ أجمعُ عبادي، وإنْ هو خافني في الدنيا أمَّنْتُهُ يومَ أجمعُ عبادي" (صحيح الجامع).
تنفيس يكشف الكروب
ومن أعظم ما تُكشف به الكروب يوم القيامة أن يكون العبد في دنياه ساعيا لرفع الكرب عن المكروبين، وييسر عن المعسرين، ويستر عثرات المخطئين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه، من كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه، ومن فرَّج عن مسلمٍ كُرْبةً فرَّج اللهُ عنه بها كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن ستر مسلمًا ستره اللهُ يومَ القيامةِ" (رواه مسلم).
حجة وشفاعة
ومن الأعمال الصالحة التي تشفع للمرء عند الله في هذا اليوم العصيب تلاوة القرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرَؤوا القرآنَ، فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابه، اقرَؤوا الزَّهرَاوَين: البقرةَ وسورةَ آلِ عمرانَ، فإنهما تأتِيان يومَ القيامةِ كأنهما غَمامتانِ أو كأنهما غَيايتانِ أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ تُحاجّان عن أصحابهما..." (رواه مسلم).
نور ونجاة
وإقام الصلاة من أعظم الصالحات التي تُقدم لهذا اليوم العصيب، فمن صلى الصلوات لوقتها، وأسبغ وضوءها، وأتم قيامها وركوها وسجودها وخشوعها، كانت له نورا من ظلمات القيامة ونجاة من أهوالها، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي أنه ذكر الصلاة يوما فقال: "من حافظَ علَيها كانت لَهُ نورًا وبرهانًا ونَجاةً يومَ القيامةِ، ومن لم يحافِظ عليها لم يَكُن لَهُ نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وَكانَ يومَ القيامةِ معَ قارونَ وفرعونَ وَهامانَ وأبيِّ بنِ خلفٍ" (رواه أحمد).
وعن بريدة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بشّر المَشّائينِ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنورِ التامِ يومَ القيامةِ" (رواه الترمذي).
ثقل في الميزان
ومن أكثر ما يثقل ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق، فعن أبي الدرداء قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسْنِ الخُلُقِ، وإن صاحبَ حُسْنِ الخُلُقِ ليبْلُغُ به درجةَ صاحبِ الصومِ والصلاةِ" (رواه الترمذي).
كما أن حسن الخلق يرفع منزلة صاحبه يوم القيامة حتى يكون قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرُكم بأحبِّكم إليَّ وأقربَكم منِّي مجلِسًا يومَ القيامةِ"؟ فسكَتَ القومُ فأعادَها مرَّتينِ أو ثلاثًا قال القومُ: نعَم يا رسولَ اللهِ قال: "أحسَنُكم خُلُقًا" ( رواه أحمد).
في ظل عرش الرحمن
عندما يكون الناس في الموقف العظيم تحت وهج الشمس التي دنت من الرءوس يذوقون من البلاء ما تنوء بحمله الجبال، يكون فريق من الأخيار هانئا في ظل عرش الرحمن لا يعاني مما يعاني الناس، ويصف النبي صلى الله عليه وسلم حال هؤلاء الأخيار حين قال: "سبعةٌ يظلُّهم اللهُ يومَ القيامةِ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادلٌ، وشابٌ نشأَ في عبادةِ اللهِ، ورجلٌ ذكر اللهَ في خلاءٍ ففاضت عيناه، ورجلٌ قلبُه معلقٌ في المسجدِ، ورجلان تحابا في اللهِ، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ إلى نفسِها فقال: إني أخافُ اللهَ، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما صنعتْ يمينُه" (رواه البخاري).
على منابر من نور
وفريق آخر نراهم في هذا اليوم العصيب على منابر من نور، وهؤلاء هم الذين يعدلون فيما كان لهم ولاية عليه، من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو زواج أو أبناء أو غير ذلك من أشكال الولاية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المقسطينَ عند اللِه على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمنِ عز وجل، وكلتَا يديهِ يمينٌ، الذين يعدلونَ في حُكمهِم وأهليهِم وما وُلّوا" (رواه مسلم).
من أي الحور شاء
في وسط أهوال القيامة يدعو المولى سبحانه فريقا من الناس على رءوس الخلائق ليخيرهم بين الحور العين، هؤلاء هم الذين يضبطون انفعالاتهم ويكفون غضبهم إذا ما أصابهم أذى كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "من كظمَ غيظًا، وهو قادرٌ علَى أنْ يُنْفِذَه دعاه اللهُ عزَّ وجلَّ علَى رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّرَهُ اللهُ منَ الحورِ ما شاءَ" (رواه أبو داود).
إلا من آمن وعمل صالحا
- التفاصيل