تهاني الشروني
وقفتُ بين الجموع التى تحيط بابنتي فهي عروس تلك الليلة، وستنتقل مع زوجها إلى بيتها الجديد..
وقفتُ وإذا بالدموع تملأ عيني وأنا أحاول أن أخفيها بابتسامة صادقة تنبع من القلب، فكم تمنيت هذا اليوم! .. وكم أدرك مدى فرحة ابنتي!
وإذا بالصور تتلاحق أمام ناظري، وكأن هذه السنوات الطوال لم تمر، وكأن الأمر كان بالأمس، فإذا بصورة أمي فى مخيلتي..
أمي.. الآن أرى دموعك يوم عرسي وأنت تودعينني وأنا في طريقي مع شريك حياتى، ولسانك وقلبك يلهجان بالدعاء لي..
يومها كانت السعادة تملأني كما هو حال ابنتي الآن، فلم أتوقف كثيرا عند دموعك التى قلتِ لي أنها دموع الفرح.
أدركتُ الآن والفرحة تغمرني ودموعي في عيني تحس بدموعك أنها دموع الفرحة ممزوجة بخليط من المشاعر التى يصعب التعبير عنها إلا بتلك الدموع التي لم تملكي أن تكفيها ولا أملك أن أتحكم فيها.
وأخذت أسبح فى الذكريات التي فاضت في لحظات، فإذا بي أتذكر صغيرتي وهي تعود من مدرستها تحمل شهادة التقدير فأكاد أطير من الفرحة، وإذا بي أرى نفسي وأنا أرجع إليكِ يا أمي حيث كنت فى سنها تقريبًا هاتفة بتفوقي وإذا بكِ تنطلقين وتضميني إلى حضنك وقلبك ينبض بدقات الحمد والرضى والاعتزاز.
واختلست لمحة من خلال دموعي أنظر إلى عروستي، ومازالت الذكرى القريبة حيث أعلنت خطبتها وبدأت معها مشوار التجهيز لبيتها الجديد، ولمعت الصورة التي فيها أسير معكي يا أمي وأنت تنتقلين معي من متجر لآخر، وأنا أصر على شراء أشياء أراها مهمة بالنسبة لي وأحب أن تكون فى مسكني  الذى أعد له وأنت لا تكلين ولا تغضبين بل يملؤك الشعور بالسعادة ومحاولة إرضائي وتلبية رغباتي التى علمت فيما بعد كم أعددتِ وتدبرتِ وادخرتِ لذلك التجهيز.

واختنق قلبي حين تذكرت موقف بينى وبين ابنتي طلبت منها أن تفعل أمرًا فتباطأت ولم تأخذ برأيي، وكيف غضبت منها جدا وإذا بي أراني وأنت تشيرين علي برأيك الحكيم وكيف قابلته أنا بالفتور والرفض لأنه وقتها لم يعجبني.

ها هى "عروستى" يا أمى كما قلتِ لي وأنت تضعينها بين يدي بعد ما خرجت من حجرة الولادة وتدعين لي بأجمل دعواتك قائلة: حفظ الله لكِ عرائسك، وزادك من الذرية الصالحة وحفظك لهم.

ها هى عروستي نزُفّها لزوجها لتبدأ رحلة عمرها أغمرها بالدعوات.. واقتربت منها أوصيها أن تطمأني عليها دائما.. أدرك الآن شعورك يا أمي وأنتِ تلحين علي أن أطمأنك إذا ابتعدت عنك، فرحم الله قلب الأم حين يهفو وراء أبنائه ولا يسكن إلا بالاطمئنان عليهم.

وانهمرت دموعي، وأفقت على ابنتي الأخرى، وهى تقبل يدي وتقول: كل هذه دموع الفرح.. وتردد ضاحكة سنذهب غدًا لها وهى ستأتى لزيارتنا الأسبوع القادم على الأكثر إن شاء الله، فإذا بى أجهش بالبكاء حين تذكرتك وأنت تدعين لي ولزوجي ليلة عرسي فقد كنا سنغادر الوطن إلى البلد الذى يعمل فيه زوجى، ومع إني وحيدتك إلا أنك غمرتني بالحب والحنان والابتسامة التي جاهدت الدموع لتلوح وأنتِ ترددين: "كل ما أتمناه سعادتك يا وحيدتي".

كم أنتِ رائعة يا نبع الحنان!.. كم أنتِ فيض رحمة من الرحمن!.. كم تشملني دعواتك بالحفظ والسلام!.. أدعو الله لكِ بالرحمة والغفران وسكن جنة عدن..

أماه  سامحيني..

JoomShaper