د. كميل موسى فرام
- تظهر علامات الابداع والتميز على الفرد منذ الولادة باعتبارها المفصل الحياتي الأول الملموس بأحداثه فيسجل لظروف الولادة علامة استحقاق برصف طريق المستقبل، بل ولن أبالغ القول بأن البدايات تكون خلال أشهر الحمل وتعتمد بكل جزيئياتها على الظروف الحياتية للسيدة الحامل والعائلة، مرورا إجباريا من نفق فترة الرضاعة ووصولا لمرحلة الروضة بحسم بوصلة المستقبل والتي تتطلب جهودا مضاعفة بتناسق المهمة التربوية بين المدرسة والأهل، أساسها التكامل وليس التبادل بالمهمات لأن وسائل التبرير والتخدير لترجمة واقع الانحراف عن تحقيق الهدف الأسمى لن تساهم بتغير مناخ المستقبل بعالم مجنون متسارع. الطفل بعفويته مقلد بارع ويحتاج لرعاية متواصلة أساسها التشجيع والتقويم، فنصفق له إن أحسن ونصحح له إن أخطأ حتى لا نرتكب جريمة بسجله السلوكي إن أهملنا أو بررنا ليعتبرها مباركة من الأهل والمدرسة فتمنحه قسطا من التشجيع المدمر بفاتورة مؤجلة الدفع قد يحين استحقاقها بفترة عمرية لا تحتمل ظروفها الاستئناف بعد أن أصبحت واقعا مكتسبا بحكم الزمن، وبذات الوقت فإن معالجة الخلل التربوي والسلوكي للطفل تحتاج لمهارة وحرفية تهدف لشرح أبعاد وخطورة التمادي بهدف التقويم وليس من أركانها التهديد والرعب والعقاب، فمن شأن ذلك التأثير على فرص استنباط مواطن الابداع والتي يجب أن توفر للطفل بمراحله العمرية بجرعة تمنحه مناعة الانحراف عن الأصول.
التحليل الواقعي لسلوك الطفل وحركاته يمثل المؤشر الأهم لتوقعات المستقبل والتي تعتمد على فرص الترجمة الحقيقية لقدرات كامنة بظروف تلزم طرفي المعادلة التربوية لواقع إيجابي، فأسلوب التخاطب بين الوالدين ولغة الحوار في المنزل تكتسب أهمية موازية ومماثلة لتلك التي يُستقبل فيها الطفل بروضة المدرسة حتى لا تختلط أجواء التعامل بمراحل البناء، فدستور الطفولة يخبرنا أن الطفل مطيع بدرجة المجد والمحبة عندما نعيد تشكيل إحداثياته، ولكنه قد يخزّن الحقد والعدوان إن قومناه بالسيف والعصا، فعلينا أن ندرك حقيقة (كأهل ومعلمين) أن للطفولة حقوق يمنع التصرف أو العبث بفقراتها، فالحضن الدافىء كفيل بامتصاص نسمات الشقاء الخطيرة، لأنه يمكننا استحضار عقد براءة الطفولة باستخدام لغة الحوار والتفسير والمبنية على الاحترام المتبادل بإعتباره ركنا تربويا وأساسيا للاصلاح، بينما يمثل العقاب الجسدي و/أو النفسي مياها ملوثة لتغذية وردة عائلية قد نشرت عبيرها فيترجم ذلك بالتردد وضعف الاستيعاب لانشغال زاوية فكرية بساكن الخوف.
إعادة تشكيل الأولويات بسلوك الأطفال بما يسمح بتغذية المبشر للمستقبل منها، يعتبر أحد المملكات الحصرية لفريق الاشراف، فالتاريخ قد بشرنا بعبقريات فردية من أطفال بدأوا مسيرتهم بتواضع، كدليل قاطع أن اليسر المادي وحده لا يمثل ضمانة لترجمة الطموح، والذكاء لا يُورث بدون احترام لقدرات الطفل، فشتلة العطاء الطفولي يُفترض أن تُغرس ببيئة عائلية تجعل منها أولويات بدون منافسة وكل الوقت، تحتاج لجهد التروية بالمحبة والصدق والحرص والانتماء والتعاون والاخلاص والتي تمثل جذر الأمان لرياح الأيام، على أن تُحترم خصوصيات الطفولة بمراحل النمو العمرية فتُقلّم الزوائد بما يضمن التوازن ليكون العطاء بقدر الجهد والتي من شأنها تحديد ميول العمل والابداع مُذكرا أن سياسة الفزعة والاهمال، إضافة لترحيل التحليل للغد، سياسة تساهم بخلق جيل عدواني يفتقر للرؤية حتى بوضح النهار

JoomShaper