عمان- كثيرة هي العوامل المنظورة وغير المنظورة التي تؤدي إلى الطلاق النفسي؛ فالعوامل المنظورة قد يتحدث بها الزوج أو الزوجة للأهل والأصدقاء كمحاولة لا بُد منها أملاً في إلغاء الثغرات القائمة.
غير أنه يوجد عوامل غير منظورة قد لا يقولها الزوج لا لزوجته أو لأهله أو أصدقائه وكذلك الزوجة.
وعلى هذه الأرضية يتراكم الضغط النفسي على الزوجين، لأن الصراحة في العديد من الأمور الخاصة قد تؤذي مشاعرهما وتزيد من خلافهما.
ليس بمستغرب أنه عندما تترك الصراعات لتتفاقم فإنها سوف تخلق في النهاية مشاعر سلبية تماماً مثلما يحدث عندما تترك الخيوط في مهب الرياح فتتشابك ولا يكون هناك بد من قطعها ولكن كيف تبدأ المتاعب وما

هي العوامل.
ومن هذا المنطلق تبقى الأمور مكبوتة بدون علاج، وتتراكم إلى أن تصبح العلاقة بينهما مدمرة من الداخل وينعكس هذا التدمير على حياتهما أولاً، وعلى أطفالهما وأهلهما والآخرين، وعلى الوضع الاجتماعي، والاقتصادي والصحي، وينتقل هذا التأثير بشكل أو بآخر إلى المجتمع.
لا بد من الكشف عن العوامل النفسية التي تحفر قبر الزواج لتُحوله إلى الطلاق، بعض هذه العوامل قد يكون سطحياً، ولكن هناك كثيراً منها مستتراً في أعماق اللاشعور.
وما نرغب في إلقاء الضوء عليه هو عوامل عدة قد تؤدي إلى هذا الطلاق النفسي، وهذه العوامل هي:
1 - عدم الولاء للأسرة: إنه عائق خطير جداً للسعادة والنجاح الزواجي ويؤدي إلى اهتزاز الأسرة وبنيانها بشدة، عندما تفقد المصداقية والولاء. فعندها يسعى الزوجان إلى هدم حياتهما وتحطيمها بأيديهما.
والسؤال الذي نطرحه هنا: ما هي الأسباب التي تجعل الزوجين يفقدان الولاء للأسرة؟
يُعتقد أن هناك أسبابا عدة منها:
أ- عدم الثقة: إذا فُقدت الثقة بين الزوجين ضعف الولاء والارتباط بالأسرة، وحينها تبدأ الزوجة تقول: لماذا أتعب وأجهد نفسي وأعمل لزوج لا يثق بي؟ وكذلك يقول الزوج مثل هذا الكلام.
وعندها تتحطم وتفقد مصداقيتها، ولهذا ينبغي أن نتغلب على الشك، وألا نجعل للشيطان منفذاً يوسوس فيه، وأن نتحكم بالغيرة الزوجية ولا نعطيها أكبر من حجمها كي لا يتضايق أحد الزوجين فيبدأ بالهروب من جو المنزل.
ولإكسابهما الثقة، لا بُد من احترام خصوصية وفردية كل منهما والدفاع عنه، كي لا يذوب طرف على حساب طرف آخر، وهذا لا يعني أن يبني كل طرف عالمه الخاص به ويرفع الأسوار والجدران في وجه الطرف الآخر مما يؤدي إلى التعارض بينهما.
ب- عدم الاحترام: كذلك تبادل الاحترام مهم جداً لزيادة المحبة الزوجية وتوثيق العرى بين الزوجين وإلا لتحطمت الأسرة وأصبح الزوجان كأنهما عدوان في البيت الواحد يترصد كل منهما للآخر بسبب عدم وجود الاحترام بينهما.
وهنا تفقد العلاقة الزوجية جوها وودها وولاءها ويتمنى كل من الزوجين الفراق قبل كل شيء.
وإن من احترام الرجل لزوجته أن يستمع إليها إذا تكلمت، وألا يُقاطعها بالكلام وأن يستشيرها ويأخذ برأيها إذا كان صواباً، وألا يعطل أوامرها المنزلية أو يكسر كلمتها أمام أولادها. وكذلك من احترام المرأة لزوجها أن تناديه بأحب الأسماء إليه، وتقدر رجولته وأن تمدحه أمام أهله ولا تستهزئ به أمام أولاده أو تطعن به.
ج- عدم الشعور بالأمان: إذا لم يتوفر الشعور بالأمان لدى كل من الزوجين، فإن الولاء للمؤسسة الزوجية سينتهي حتماً. وذلك لعدم شعور أحدهما بالأمان تجاه الآخر والاطمئنان له. ومن علامات الأمان أن يبث كل من الزوجين همومه للآخرين ويتحدث كل منهما عن طموحه وأحلامه، ويردد بين حين وآخر بأنه بحاجة للطرف الآخر وأنه يشكر الله تعالى أن جمع بينهما في علاقتهما الزوجية.
2 - الجهل بأحكام الأسرة: إن العلاقة الزوجية متبادلة؛ فمرة الزوج يكون هو المانح والزوجة هي الآخذة، ومرة أخرى تكون الزوجة هي المانحة والزوج هو الآخذ. وهكذا تسير العلاقة الزوجية بتبادل بين الحقوق والواجبات وتكسوها المودة والرحمة.
3 - الملل والفراغ والروتين: ألسنا نلاحظ أن العواطف قد تتبلد أو تتآكل وأن الحياة المشتركة قد تتجمد أو تتصلب وأن الحب نفسه قد يهمد أو يتحجر. ألا يجيء السأم أحياناً فيتسلل تحت ستار الرتابة إلى أقوى العواطف وأعمقها؟
والذي يجب أن يعرفه الزوجان أن الملل والفتور لهما مؤشرات قد يسهل التغلب عليها إذا ما لوحظت قبل استفحال الأمر؛ حيث يبدأ الملل بالصمت والانطواء وعدم الاستماع للآخر باهتمام وتقلب المزاج والعصبية، وفي النهاية يختار كل شريك طريقاً مختلفاً لطريق الآخر وهنا يصبح التقارب بحاجة لإنقاذ عاجل.
وعندما يشعر أحد الزوجين بالملل الشديد المسيطر على علاقته مع الطرف الآخر، فإنه يبدأ بأن يبتعد عن زوجته ويجد متعته وأنسه في سهرات ولقاءات طويلة بعيداً عن بيته. كما يلجأ أيضاً بعض الأزواج إلى التفكير في الزواج من ثانية وثالثة وأيضاً قد ينحرف بعض الأزواج من الجنسين نحو علاقات غير شرعية تحطم الزواج وتفسده.
ومن أسباب الملل والفراغ في العلاقة الزوجية:
- التوقعات الكبرى وغير المنطقية من الشريك قبل الزواج.
- النظرة السلبية إلى النفس والشعور بالإحباط.
- ضغط وانتقادات الأسرة أو المحيط الاجتماعي.
- كثرة السهر خارج المنزل من قبل أحد الطرفين.
- طول الإقامة في البيت من قبل الطرفين أو أحدهما.
- الانهماك في مشاهدة القنوات التلفزيونية.
- الفارق التعليمي أو الاجتماعي الكبير.
- انعدام المصارحة.
- الرتابة في الحياة اليومية.
- الخلافات التي لا يتم علاجها سريعاً.
- برود المشاعر والعيش بطريقة آلية ومبرمجة.
- التعب والإرهاق الدائم.
- العمل الزائد خارج المنزل.
- الخيانة وتأنيب الضمير.
- عدم القدرة على إشباع الطرف الآخر جنسياً.
- عدم الاقتناع بالآخر.
- انعدام الغيرة والاهتمام بالآخر.
- اختلاف الميول والعادات والتقاليد.
- ميل أحد الطرفين إلى إشباع رغباته وإهمال الآخر.
- الفرق الكبير بالعمر.
وهناك سبع طرق خاطئة للهروب من الملل:
- الخيانة وإقامة علاقات متعددة.
- الاهتمام بالعمل بشكل مبالغ فيه.
- الصبر والتحمل.
- الإفراط في التسوق.
- الإفراط في الاهتمام بالأطفال.
- الحلول المنفردة مثل اكتشاف هوايات ومواهب جديدة.
- اختلاف المشاكل داخل البيت.
كما أن هناك ثلاثة عشر اقتراحا لمعالجة الفراغ والملل؛ وهي:
- الحديث والحوار عن أسباب الملل ومحاولة حل المشكلة.
- التعرف إلى الطريقة التي لجأ إليها الطرف الآخر للتخلص من الملل.
- اكتشاف إيجابيات الطرف الآخر والتذكر بأن الآخر ليس شيئاً كلياً.
- استعداد كلا الطرفين للتغيير والتنازل أو الالتقاء منتصف الطريق.
- السفر سوياً أو الابتعاد عن المنزل والقيام بنشاطات جديدة.
- الاتفاق على أخذ فرصة منفصلة ليومين أو ثلاثة لتجديد الشوق.
- خروج الطرفين كل على حدة مع أهله وأصدقائه.
- السعي إلى التجديد حتى بأبسط الأمور كالشكل أو الثياب.
- ملء الفراغ بنشاطات مشتركة مفيدة.
- تجديد ديكور المنزل.
- الملاطفة وملاعبته والمزاح مع الطرف الآخر.
- تبادل الهدايا حتى البسيطة منها.
- استخدام الكلمات الحلوة والذكريات المشتركة الجميلة.
- القيام بنشاطات مشتركة في المنزل كالطبخ أو تغيير الديكور.
والحقيقة أن العلاقة الزوجية كائن حي يشترك فيه الرجل والمرأة وهما مسؤولان عن رعايته والعناية به معاً.
والزواج لا يمكن أن يكون متعة خالصة أو مثالياً خالياً من المشكلات والفتور والملل والاضطراب المؤقت، ولا بد من الجهود المشتركة التي تسعى إلى تجديد العلاقة وإغنائها وبث الروح فيها، فهناك عدد من الأساليب التي تسهم في ذلك.
ويجب أن تغير من عاداتنا وأن نغير من أنفسنا، وهذا التجديد هو الحل لهذه المشكلة التي توصف بالكثير من البيوت في هذه الأيام. والزوجة هي التي يجب أن تبدأ بالتغيير حتى لو كان بسيطاً في شكل أثاث المنزل أو على كل منهما أن يحاور نفسه ويناقشها بصراحة في السبب الذي أدى بحياته إلى هذا الوضع ثم يتخذ القرار بالعلاج السريع والفعال وبرغبة صادقة في استمرار الحياة الزوجية بدافع من الحب وليس بسبب ضغوط خارجة على إرادة الشخص، ويجب أن تعلم أن الملل فترة طبيعية في حياة الإنسان وإذا كان هناك حب حقيقي وتفاهم مشترك يسهل التغلب عليها.
عبد العزيز الخضراء كاتب وباحث تربوي

JoomShaper