الاتحاد برس
(الجزء الأول)
خَلْف كلّ رحلة خاضها لاجئ سوري عبر أراضي الأمصار الواسعة متحدّياً الموت بصوره المتعدّدة طامحاً إلى حياة جديدةَ تحترم حقوقه وكرامته الإنسانية، كان هناك في الداخل/الوطن قلبَ أمٍّ يعتصر ألماً ولكن بصمت مطبق؛ خشية سماع الحيطان خَبَر سفر ابنها .. ففي سوريا للحيطان آذان.
وفي هذا التحقيق نستعرض شهادات لبعض الأمّهات اللواتي اختبرن شعور الترقّب المرضي والتوتّر العميق الذي يتزامن مع هجرة أولادهنَ الملاحقين من قبل المؤسّسات الأمنية والعسكرية في سوريا. فما دورهنَ في عملية الهروب تلك؟ وكيف كان شعورهنَ أثناء قيام أولادهنَ بهذا الخرق الأمني والمحظور على العساكر من قبل النظام السوري؟ ولماذا لم تتكلّم بعضهنَ لسنوات عن تلك القصص؟


كان لا بدّ من تهريبه .. ولم يكن والده يعلم!
” رأيت الخبر على قناة الجزيرة، مئات الضحايا من الطرفين(الجيش السوري والجيش الحرّ) في معركة في باب الهوا في حمص”. هكذا استهلّت أمّ مهنّد حديثها المؤثّر عن آخر أيّام ابنها في سوريا.
كان مهنّد يخدم مع الجيش السوري في منطقة باب الهوا في حمص حيث حدثت الاشتباكات، لم تستلم أمّ مهنَّد في ليلة مشاهدتها للخبر اتصال ابنها اليومي الذي اعتاد على إجراءه لطمأنة والدته عن أحواله. سهرت ليلتها تجري اتصالاتها مع أصدقائه في الفوج والضابط المسؤول عنه، فتقول:
” لم يردّ عليّ صديقه المقرّب أمّا الضابط فكان جهازه خارج نطاق التغطية، زادت هذه الأمور من غليان دمّي وبدأت تخيّلاتي المأساوية ومخاوفي تسيطر عليّ شيئاً فشيئاً، بقيت على هذا الحال حتّى الصباح، وفي الصباح تلقيت اتصالاً من مهنّد الذي كان محاصراً في أحد أحياء باب الهوى قبل أن يأتي إليه الدعم.”.
وتتابع أمّ مهنّد:
” سُمحَ في اليوم التالي لمهنّد وبعض زملائه، الذين كانوا محاصرين، بالعودة إلى منازلهم لمدّة 72 ساعة، ولكن في قرارة نفسي كنت أعلم أنّها الفرصة الأخيرة لنجاة ابني.”.
كان لا بدّ من تهريب مهنّد إلى تركيا سريعاً
كانت أمّ مهنّد قد اتخذت قراراً بتهريب مهنّد خارج البلاد خشية أن تخسره في تلك الاشتباكات، تقول للاتحاد برس:
” كان لا بدّ من تهريب مهنّد إلى تركيا سريعاً، لم يكن والده يعلم شيئاً عن الأمر، ولو عَلِمَ آنذاك لأحبط الخطّة برمّتها.”.
الخطّة .. ساعة لا ينفع الضعف
لقد قرّرت أمّ مهنّد، دون الرجوع إلى ابنها أو زوجها، أن ترسل ابنها إلى القامشلي ومنها إلى تركيا باستخدام جواز سفرٍ مزوّر قام أحد الضبّاط رفيعي المستوى في مديرية الهجرة والجوازات في دمشق باستخراجه بالإضافة إلى هوية مزوّرة، ورقتان تساعدا مهنّد بالخروج من دمشق إلى القامشلي طياراً في فترة كانت الطرقات مغلقة بين المدينتين (وجود حواجز لميليشيات متعدّدة التوجّهات على الطريق البرّي).
عن تلك الحادثة تخبرنا أمّ مهنَّد بعض التفاصيل، فتقول:
” كنت قد تعرّفت إلى إحدى النساء التي سفّرت أولادها بجوازات سفر وهويات مزوّرة زوّدهم بها أحد الضباط في الهجرة والجوازات، اتصلت بها، بعدَ أن علمت بأنّ مهنّد في طريقه إلى المنزل، وطلبت منها أن ترتّب موعداً بيني وبين هذا الضابط، لم يتمّ الموعد يومها ولكن وردني اتصال منه بعد ساعة.”.
وتتابع أمّ مهنّد:
” كنت أعلم أنّه يشفّر كلامه حين قال لي كم (كيلو عسل) بدّك، قلت له واحداً، قال لي 2500ليرة للكيلو، قلت لا مشكلة، واتضح بعد إذ أثناء اللقاء أنّه يقصد مليونين ونصف ليرة.”.
وعن تلقّي مهنّد لقرار أمّه، تحكي أمّ مهنّد:
” كان مصدوماً وغاضباً لدرجة أنّه كاد يخبر والده بالأمر، ولكن بعد أن جلسنا معاً وتناقشنا وبحثنا كلّ السبل التي أمامنا، استطعت إقناعه بالأمر، وقبل انقضاء خمسين ساعة على الإجازة كانت الأوراق جاهزة تماماً، ولم يكن علينا سوى اتخاذ بعد الخطوات الإجرائية في مديرية الهجرة والجواز حتّى نكون قد أتممنا نصف العملية.”.
بعدَ أن استلم مهنّد وأمّه الجواز والهوية، قام مهنّد بالحجز في أوّل رحلة من مطار دمشق إلى مطار القامشلي، ولكن لم يكن دخول المطار بهذه السهولة، وعن ذلك تحدّثنا أمّ مهنّد قائلةً:
” كنا على حاجز المطار عندما تعرّف إليه أحد الشباب الذين كانوا قد خدموا معه في أوّل مرّة قبل أن يذهب كاحتياط، بدأ العسكري بسؤالنا والتثبّت ممّا إذا كان ابني (الذي ادعيت أنّه كردي ولا يفهم العربية) صديقه الذي التقاه في الخدمة قبل ثماني سنوات، وبعدَ دقائق من الرعب الذي لا يوصف، استطعنا المرور من الحاجز، وخرج ابني من دمشق قبل 4 ساعات من انتهاء إجازتهِ.”.
لم تنتهي قصّة أمّ مهنّد عن هذا الحدّ، فهناك العديد من التفاصيل التي سنكشف عنها في الجزء الثاني، بالإضافة لشهادات أمّهات أخريات عن إخراجهن لأبنائهن ومخاطرتهن بكلّ ما يملكن في الحياة من أجل ضمان مستقبل أفضل لأولادهن.

JoomShaper