هبة محمد ووكالات
إدلب – دمشق – «القدس العربي»: تعيش مناطق شمال غربي سوريا أزمات معقدة فوسط حركة نزوح تشهدها المنطقة، جددت قوات النظام السوري والقوات الروسية قصفها على ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب وجبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، كما استهدفت فصائل مسلحة مواقع قوات النظام جنوبي إدلب بالتزامن مع ارتفاع إصابات كورونا في المنطقة وتحذيرات أممية من تفاقم أوضاع النازحين في المخيمات بسبب الجائحة والاوضاع الاقتصادية الصعبة شمال سوريا.
هجمات بالصواريخ
وقتل مدني وأصيب 5 بجروح، جراء هجوم بطائرة «كاميكازي» من دون طيار، أثناء قطاف الزيتون بمحافظة إدلب، شمال غربي سوريا. ويطلق اسم «كاميكازي» على الطائرات المتفجرة الانتحارية. ووفق معارضين عسكريين، فإن الطائرة من دون طيار روسية المنشأ، واستهدفت المدنيين أثناء قطاف الزيتون في قرية نحلة، جنوبي إدلب. وأكدت مصادر في الدفاع المدني «الخوذ البيضاء» مقتل مدني وإصابة 5 بجروح جراء الهجوم.
أزمات مركبة وغارات وقصف تحاصر السوريين شمال غربي البلاد
فيما شنت قوات النظام، والمجموعات الأجنبية المدعومة إيرانياً، هجمات بالصواريخ وقذائف الهاون على العديد من القرى والبلدات في إدلب، انطلاقاً من مدينة كفرنبل في المحافظة نفسها. وفي مايو/ أيار 2017 أعلنت تركيا وروسيا وإيران، التوصل إلى اتفاق على إقامة «منطقة خفض تصعيد» في إدلب، ضمن اجتماعات أستانة المتعلقة بالشأن السوري. ورغم تفاهمات لاحقة، تم إبرامها لتثبيت وقف إطلاق النار في إدلب، أحدثها في يناير/ كانون الثاني الماضي، إلا أن قوات النظام وداعميه واصلت هجماتها على المنطقة.
وأدت الهجمات إلى مقتل أكثر من 1800 مدني، ونزوح ما يزيد على مليون و942 ألفاً إلى مناطق هادئة نسبياً أو قريبة من الحدود التركية، منذ كانون الثاني/يناير 2019. وفي 5 مارس/ آذار الماضي، أعلن الرئيسان التركي رجب طيب اردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، توصلهما إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب.وقال مدير الدفاع المدني السوري وليد أصلان أن هدوءاً حذراً يسود إدلب ومحطيها، يتخلله قصف متقطع لقوات على قرى وبلدت جبل الزاوية، بينما تعيش مدينة أريحا وقانطوها من سكان أصليين ونازحين أياماً عصيبة، حسب وصفه. وأوضح لـ«القدس العربي» قصف المدينة خلال الأسبوع الفائت بأكثر من 20 قذيفة مدفعية من العيار الثقيل، استهدفت منازل مدنيين، والحدائق العامة، كما استهدف بعضها سوقاً شعبياً ومسجداً، إضافة إلى مركز الدفاع المدني. وبلغت الحصيلة وفقاً للمتحدث 4 قتلى و8 مصابين، بينهم امرأة وطفلان، وسط حركة نزوح من المدينة.
قصف مكثف
ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، الأحد، عودة القصف الصاروخي المكثف إلى إدلب ومحطيها، «حيث قصفت قوات النظام بشكل مكثف مناطق في البارة وكنصفرة ضمن جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي ومناطق أخرى في السرمانية في سهل الغاب ومناطق ثانية ضمن جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، كما استهدفت مجموعات جهادية مواقع لقوات النظام في الدارة الكبيرة والملاجة جنوبـي إدلب، بالقناصات والقذائف، وسط معلومات عن خسائر بشرية».
ووفقاً للمرصد، فإن القصف جاء غداة هدوء حذر ساد عموم المنطقة، منذ ما بعد منتصف ليل السبت – الأحد، على خلفية الأحوال الجوية التي تشهدها تلك المنطقة، فيما تخلل الهدوء الحذر، سقوط قذائف أطلقتها قوات النظام على أماكن في بلدات وقرى في جبل الزاوية ضمن ريف إدلب الجنوبي.في غضون ذلك، ذكر «أنصار التوحيد» في إدلب، صباح الأحد، أن سرية القنص قتلت ثلاثة عناصر من قوات النظام على خطوط التماس في ريف إدلب الجنوبي. وأضاف الفصيل العامل ضمن «غرفة عمليات فاثبتوا» إنه قنص عنصرين من قوات النظام على جبهة الدار الكبيرة في جبل الزاوية، وثالثاً على جبهة قرية الملاجة في ريف إدلب الجنوبي. وكانت سرية القنص التابعة لغرفة عمليات «الفتح المبين» قنصت عنصراً من ميليشيات النظام على جبهة الدار الكبيرة في جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، منذ خمسة أيام.
قلق كبير من كورونا
وتشهد خطوط التماس بشكل شبه يومي قصفا من قوات النظام يقابله عمليات قنص من قبل فصائل المعارضة، حيث ازدادت عمليات القنص مؤخرا بعد تدريبات خضعت لها فرق مخصصة على طول خطوط التماس مع قوات النظام في أرياف إدلب وحلب واللاذقية وحماة.
وكان المرصد السوري، وثق السبت، مقتل 3 عناصر من حركة أحرار الشام الإسلامية نتيجة استهدافهم من قِبل قوات النظام على محور بلدة دير سنبل شرقي جبل الزاوية في ريف إدلب، كما تجدد القصف المدفعي لقوات النظام والمسلحين الموالين لها، حيث استهدف بلدة كنصفرة وقرية كفرعويد بجبل الزاوية، تزامناً مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع في أجواء المنطقة.
ومع ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد في شمال غربي سوريا، بات حسن سويدان يخشى الذهاب إلى المستشفى لمتابعة وضعه الصحي ويجد نفسه عالقاً وسط مخيم مكتظم بالنازحين مع العجز عن اتخاذ أبسط إجراءات الوقاية. ومنذ بدء انتشار وباء كوفيد-19 في إدلب، أبدت منظمات إنسانية خشيتها من وقوع كارثة صحية إذا ما تفشى الفيروس داخل المئات من مخيمات النازحين المنتشرة على طول الحدود بين محافظة إدلب وتركيا. وتفتقد تجمعات النازحين للخدمات الأساسية من مياه وشبكات الصرف الصحي. ويبدو غسل اليدين أو الاستحمام بمثابة ترف لا يمـكن لكثـيرين الحصـول عليـه.
في أحد تلك المخيمات، يقول حسن سويدان وهو نازح منذ سنوات من شمال حماة، «نقطن في خيم متلاصقة ببعضها البعض. إذا جلس الواحد منا لتبادل الحديث مع عائلته يسمعه جيرانه من حوله، فلا عتب على المرض». ويعاني وهو في الأربعينيات من عمره وأب لستة أطفال من مرض تشمّع الكبد منذ سنوات، ما يثير خشيته أكثر من الإصابة بفيروس كورونا المستجد مع حاجته لمتابعة وضعه في المستشفى. ويوضح من داخل غرفة متواضعة ذات جدران اسمنتية مسقوفة بغطاء من البلاستيك، «هنا في المخيمات لا نستطيع أن نحجر أنفسنا والمستشفى مكتظ أساساً. بات الواحد منا يخاف من (الاحتكاك مع) الأطباء والممرضين لكي لا يتعرض للإصابة».
ويروي «منذ فترة أصيب أحد أقاربنا، ولذلك أنا متخوف كثيراً لأنه ما من مناعة لدي». وشهدت مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) في إدلب ومناطق سيطرة القوات التركية والفصائل المعارضة الموالية لها في شمال حلب مؤخراً ارتفاعاً في عدد الإصابات بالفيروس. وسجلت مديرية الصحة، التابعة للمعارضة السورية والمشرفة على الوضع الصحي في المنطقتين، أكثر من خمسة آلاف إصابة و42 حالة وفاة على الأقل. وبعدما كانت المنطقة تسجل عشرات الحالات يومياً، باتت الإصابات تفوق 300 حالة أحياناً.
وخلال مؤتمر صحافي الأربعاء، أفادت مديرية الصحة عن تسجيل أكثر من 860 حالة بين الكوادر الطبية ونحو 330 إصابة في المخيمات. تفترش غتوى المحمّد (80 عاماً) الأرض وتنهمك في رصّ الزيتون حبة تلو الأخرى. وتوضح المرأة التي حفرت التجاعيد عميقاً في وجهها بحسرة «نخاف من المرض، ولا نتجرأ على الخروج .. نعيش أساساً فوق بعضنا البعض». وتقول «احترنا ماذا نفعل» قبل أن تضيف باللهجة المحكية «لو الله يموّتنا ويريّحنا».
تحذيرات أممية
خلال كلمة أمام مجلس الأمن الدولي، قال مساعد الأمين العام للأمم المتّحدة للشؤون الإنسانيّة مارك لوكوك «ارتفعت الإصابات في شمال غربي سوريا ست مرات أكثر خلال شهر، وقد ازدادت أيضاً في مخيمات النازحين». ويأتي ارتفاع عداد الإصابات بعد زيادة نسبة فحوص الكشف عن الفيروس مع تزويد الأمم المتحدة المنطقة بمختبرين إضافيين في كل من عفرين وجرابلس في شمال حلب، بالإضافة إلى المختبر الرئيسي في إدلب.
وتؤوي مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب ومحيطها نحو ثلاثة ملايين شخص نصفهم من النازحين الذين يقطنون في أكثر من ألف مخيم في شمال غرب سوريا، وفق الأمم المتحدة. ونظراً للاكتظاظ في شمال غرب سوريا، أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إلى أن «التحدي الأساسي في مواجهة وباء كوفيد-19 هو صعوبة عزل الناس».
وفي مبنى مديرية الصحة في مدينة إدلب، يقول الطبيب يحيى نعمة لوكالة فرانس برس «نحمّل قوات النظام وروسيا مسؤولية الوضع المأساوي الذي يعاني منه النازحون بعد تهجيرهم، بعدما فُرض عليهم الاكتظاظ السكاني في المخيمات».
وتسبّبت هجمات عدة شنتها قوات النظام بدعم روسي في نزوح مئات الآلاف من منازلهم واللجوء إلى المخيمات في شمال إدلب، وكان آخرها هجوم استمر ثلاثة أشهر بداية العام الحالي ودفع بنحو مليون شخص للنزوح، لم يعد منهم سوى نحو 235 ألفاً إلى مناطقهم، غالبيتهم بعد اتفاق لوقف اطلاق النار. وطلبت مديرية الصحة من السكان الالتزام بالتباعد الاجتماعي، وفق نعمة الذي يضيف «هذا أشبه بالمستحيل».
ورغم إدراكهم لإجراءات الوقاية الضرورية، إلا أن قلة في المخيم يضعون الكمامات، فلا قدرة على شرائها وتغييرها بين الحين والآخر أو على شراء مواد التعقيم. ويعتمد النازحون أساساً على المساعدات لتأمين الطعام والمياه والحصول على الخدمات الاستشفائية والتعليمية لأطفالهم. ويقول محمّد العمر (40 عاماً) النازح قبل ثمانية سنوات من ريف إدلب الجنوبي وهو أب لأربعة أطفال «يقولون لنا لا تخرجوا ولا تتسببوا في زحمة، ونحن نعيش في مخيمات يفصل بين الخيمة والأخرى نصف متر».
ويوضح «أعطوا كل واحد منا يفوق عمره الخمس سنوات كمامة واحدة على اعتبار أنها كافية، وهي لا تكفي». ولا يستطيع العمر، الذي يعمل سائق صهريج مياه، البقاء في الخيمة، إذ عليه الخروج يومياً للبحث عن لقمة عيشه في منطقة تشهد كسواها من المناطق السورية ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية. ويقول «إذا بقيت في الخيمة، كيف أعيش وكيف آكل؟».