محمد الجزائري-ريف حلب
ظلام ودخان مدفئة يضني عيونا أعياها المرض، وتحيط بها جدران باردة تزيد من المعاناة، أبو محمد أحد سكان معرة النعمان بريف إدلب نزح مع زوجته التي يعتبرها عينيه اللتين يرى بهما بعد أن أفقده المرض الرؤية في إحداهن وأضعف الثانية.
وبعد رحلة طويلة لا يعلم إلى أين يتجه، حط رحاله في محل تجاري في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي نازحا ومتعبا من شدة الفقر والمأساة، يحيط به في المحلات المجاورة نازحون من مدن وبلدات عدة أجبرهم قصف النظام وروسيا على مغادرة منازلهم، ليتشاركوا مع أبو محمد معاناة العيش.
ويقول أبو محمد "أولادي ينهش الفقر أجسادهم، وكل منا أصبح في مكان ولم نستطع أن نخرج معنا من منازلنا شيئا، ساعدنا بعض الأهالي ببعض الأغطية والملابس"، وأضاف أبو محمد "خمسة وثمانون عاما عشتها لم أر فيها قهراً ولا ذلا كهذا الذي نراه اليوم بسبب حرب الأسد وحلفائه علينا".
نزوح مستمر
يستمر الأهالي في النزوح من ريف إدلب الشرقي والجنوبي مع توسع رقعة قصف قوات النظام وروسيا بالتزامن مع العمليات العسكرية البرية لقوات النظام والمليشيات الموالية له والتي تهدف للسيطرة على مدينتي معرة النعمان وسراقب الإستراتيجيتين لأهميتهما الجغرافية الكبيرة.
كما شمل التصعيد معظم مدن وبلدات ريف إدلب مما خلف عددا كبيرا من النازحين تجاوز عددهم 400 ألف نسمة اتجهوا إلى مخيمات الشمال السوري والمدن الأقل قصفا، بحسب إحصائيات المنظمات المحلية، منذ بداية الحملة العسكرية على ريف إدلب التي أطلقتها قوات النظام في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي.
في حين قال النظام عبر وسائل إعلامه إنه فتح معابر آمنة لخروج الأهالي من ريف إدلب إلى مناطق سيطرته، وهذا ما نفته المعارضة قائلة إن النظام يحاول إظهار صورة ملمعة له وهو يقتل السوريين.
معاناة مستمرة
لم تقتصر عمليات النظام على ريف إدلب فقط، بل طالت ريف حلب الغربي بشكل مكثف لتزيد أعداد الضحايا والنازحين، وقال فريق "منسقو الاستجابة" إن 84 شخصا قتلوا منذ إعلان روسيا وتركيا الاتفاق على وقف إطلاق النار في إدلب.
كما أحصى الفريق أكثر من 70 ألف نازح من ريف إدلب وحلب منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، وتقول المعارضة إن قوات النظام وروسيا خرقت الاتفاق كغيره من الاتفاقات بقصفهما الجوي الذي لم يتوقف عن استهداف المدن والمنشآت الحيوية والنازحين.
وقال فريق "منسقو الاستجابة" عبر بيان له إن "الاستخدام المتكرر للقوة العسكرية من قبل النظام وروسيا وإيران يبرز عدم جدية تلك الأطراف في الالتزام باتفاق إدلب، مما ساهم في تشريد عشرات الآلاف من الأطفال والنساء وكبار السن"، وأضاف البيان "نطالب المجتمع الدولي وكافة المنظمات الدولية بتحمل مسؤولياتها اتجاه المدنيين في مناطق شمالي غربي سوريا".
عجز محلي
ويرى ناشطون أن حركة النزوح الكبيرة إلى ريف حلب الشمالي الخاضع لسيطرة الجيش الوطني، باتت تعقد الأمور أكثر كون المنطقة ذات طابع ريفي ومدنها وبلداتها صغيرة نسبيا، مما سبب اكتظاظا سكانيا كبيرا، ولكن لا خيار آخر أما النازحين فإما الهرب من القصف وإما المعارك.
ويقول رئيس لجنة إعادة الاستقرار منذر سلال إن "منطقة ريف حلب الشمالي لا تتحمل أعداد النازحين الوافدة إليها بسبب ضعف البنى التحتية وعدم وجود مبان سكنية كبيرة".
وأضاف سلال "المنظمات المحلية غيرة قادرة على تلبية احتياجات النازحين، وحتى المبادرات الفردية من الأهالي غير قادرة على تلبية تلك المطالب".
ويبقى النزوح في الشمال السوري أكبر المعضلات، فلا مفر أمام النازحين إلا مناطق النظام أو مناطق سيطرة الوحدات الكردية أو الخروج من سوريا، لهذا يرى الأهالي أنهم باتوا محاصرين وأن النظام يسعى إلى زجهم في منطقة صغيرة عقوبة لمعارضتهم حكمه.